Sunday, February 12, 2023

(مُحتال): قصة قصيرة


 

(مُحتال): قصة قصيرة
بقلمي: إسلام صابر
في 7 يناير 2018
===========================================
كَم أَكرَه الاعتراف بأنني أعرفه!
هذا ما جال بخاطري، وأنا أرمقه قادمًا نحوي يبتسم، يسير بذلك الاستهتار الذي طالما اعتدتُه وعرفتُه فيه، ليقطع الساحة المفتوحة الهادئة التابعة للمقهى بين المناضد والمقاعد المتراصة بها، إلى حيث المنضدة التي جلستُ إليها.
لابد أن وجهي -الذي يقولون دائمًا إنني لا أجيدُ إخفاء مكنون مشاعري عن ملامحه- قد حَمَل أمارات الضيق أو عدم الرضا، لأنه إذ بلغ موضعي لاحظ هذا، فقال:
- لا تبدو سعيدًا برؤيتي.
الغريب أن ابتسامته كانت تتَّسع برغم هذا! إنه شخص معدوم الإحساس فعلًا!!
قلتُ بغير رضا:
- ومَن كان ليسعد بمقابلة محتال؟
كان مُتأنِّقًا، يرتدي بذلة من قماش فاخر، يُصفِّف شعره الأسود بعناية.. من إحدى أذنيه، لمحتُ ذلك السلك الرفيع، الذي يتدلَّى حتى جيبه.. إنه يسمع شيئًا إذًا. لن أندهش إن كانت أغنية تلائمه... وأكثر ما يلائمه -في رأيي- كان أغنية (It’s good to be bad) (أمر جيد أن تكون سيئًا).
يحمل تلك الحقيبة المستطيلة في يده، التي تخصُّ في العادة رجال الأعمال، والتي لم أقبل أن يضعها فوق المنضدة، فأشرتُ له في عصبية أن يلقي بها بأسفل عند موضع القدمين، فلم يبدُ أنه على استعداد لأن يجادلني في أمرها.. وضعها عند قدميه وجلس قُبالتي، دون أن تزايله ابتسامته السخيفة، فسألتُ:
- لِمَ أردتَ مقابلتي؟
قال في هدوء:
- أردتُ معرفة أخبارك؟ ألا تريد أنتَ معرفة أخباري؟
أجبتُ وأنا ألتقط كوبي الكبير من فوق المنضدة لأرشف من السائل الساخن به:
- وما الذي يهم المرء أن يعرفه في أخبارك؟ هل نويتَ التوبة أو ما شابه؟
قال بابتسامته السخيفة:
- أنني أحقِّق نجاحًا، سبق وكنتَ قد تحديتَني أنني لم أكن لأحققه.
أبعدتُ الكوب عن شفتيّ وتأملتُه في استخفاف... هل يصدِّق نفسه حقًا؟!
قلتُ بتهكُّم:
- تُحقِّق نجاحًا؟ هل يُعَدُّ الاحتيال على الناس والنصب عليهم اليوم نجاحًا؟ هل تعجبك بذلتك التي اشتريتَها من أموال الآخرين؟
اكسب من عرق جبينك أولًا، اكسب مالًا نظير عمل حقيقي تقوم به، بعدها سأكون مستعدًا جدًا لأن أسمع عن نجاحك.
قال معترضًا:
- أنا أعمل عمل حقيقي.. عمل حُر.
قلتُ بنفس التهكم:
- نعم، كنصاب... كمحتال... هذا هو المسمَّى الحقيقي لعملك. أخبرني متى تعودتَ أن تكسب كسبًا حلالًا في أي وقت؟ بعد التخرُّج؟ عندما بدأتَ تعمل كمندوب مبيعات، فعلَّموكَ كيف تستطيع أن تغش الزبائن في الشوارع، ثم علَّمتَ نفسك بعدها كيف تغش رؤساءك أنفسهم؟ أم متى؟ عندما قررتَ فجأة أن تعمل بالسمسرة، مُتَّخِذًا منها طريقًا تشقه نحو استغلال حاجات الناس، وبيع الوهم؟
حتى عندما فكَّرتَ أن تعمل عملًا يبدو في ظاهره أنك تساعد فيه الشباب على تحقيق أحلامهم، ظللتَ تختار دائمًا الجانب القذر من الأمر، أن تتلاعب بتحقيق تلك الأحلام، أن تبيعهم الوهم، إن كان من مكسب بلا مجهود، فأكثره لكَ، وإن كانت من خسارة -وهي حتمًا آتية من جراء إهمالك وبحثك عن الكسب بلا عمل- فالخسارة من نصيبهم وحدهم. هل هذا هو النجاح الذي تتحدَّث عنه؟
قال في هدوء:
- النجاح هو أن تكون أكثر ذكاءً وبراعة من الآخرين.
حرَّكتُ رأسي علامة النفي، وقلتُ:
- بل النجاح هو أن تؤدِّي عملك ببراعة وإتقان حقًا، فتكسب ثقة الآخرين، لا أن تختلق الحجج وتتحايل بكافة الطرق وتروِّج الإشاعات، من أجل تُطلِق فقاعة ضخمة، لا تلبث أن تنفجر في وجهك كبصقة كبيرة من عالم الواقع، لأنك كنتَ مغرورًا جدًا، فلم ترَ أن أكذوبتكَ جاءت أكبر كثيرًا مما يمكن أن تحتمله الأمور. وماذا عندما تنفجر كل فقاعاتك، وتنكشف كل أكاذيبك؟ هل سيصمد اسمك أو سُمعتك؟ هل ستتبرأ من اسمك وكيانك بالكامل، لتخلق زيفًا جديدًا تتعشَّم أن يصدقه ضحايا جدد؟
- الأغبياء أكثر مما تصوَّر.
- أنتَ تراهن على حُسن وسلامة نِيَّة الآخرين وتسميها غباءً... ربما تعتمد أيضًا -بمساعدة صديق محامٍ قذر- على استغلال ثغرات القانون أو بطء إجراءاته، فتتبجَّح كثيرًا وتحتال على ما ليس من حقك، على ما لم تكن لتحصل عليه أبدًا إذا استقامت الأمور.. لكنك في ذلك تخاطر بنفسك، تجازف وتخسر مقابل المال ما لا يُقَدَّر حقًا بمال.
بقي صامتًا وصمتُّ بدوري بعض الوقت.. راح يتأمَّل الموجودات بالمكان من حولنا، علَّه يجد وسيلة يقنعني بها بمنطقه الأعوج.
ونظرتُ أنا في ساعة هاتفي المحمول، متسائلًا متى يرى أن الوقت قد حان للرحيل.
وجدتُه يسألني بعد دقائق من الصمت:
- ألَا تعتبر إذًا تحقيق الثروة نجاحًا؟ لقد أصبح لي رصيدٌ في البنك، صار لي بيت وزوجة وولد. ألَا ترى أن كل هذا نجاح؟
قلتُ بسخرية:
- لابد أنها مريحة تلك الزوجة التي لا تسأل زوجًا مثلك عن مصدر دخله، والتي لا توصيه ولا تجادله بترك الكسب الحرام.. لكن دعني أخبرك أنا بما لم تذكِّرك به هي... رصيدك في البنك يُهدِّدك ويهدد بيتك وزوجتك وولدك جميعًا بالفناء؛ لو أن الكسب الحرام يضمن لكَ أي شيء، فهو يضمن فقط أن تأكل النار كل ما طاله.
قال في سخط:
- في هذا العالم وهذا الزمن، لم تَعُد المعادلة تحسب بهذه الطريقة... خريج مثلي، ماذا يفعل إذا كان كل شيء غالٍ مرتفع الثمن، بينما لا يتقاضى هو سوى أقل الأجور؟ أخبرني، هل يسمح لكَ مثل ذلك الأجر الضئيل أن تتزوج أو تشتري سيارة أو يكون لك مسكن؟ هل يضمن لك أن تأكل أو تشرب أو تلبس بشكل جيد، حتى إذا عشتَ بمفردك؟
قلتُ وأنا أهز رأسي ساخرًا:
- لهذا فالحل الوحيد للمعادلة في نظرك هو أن تحتال على شباب جيلك.
أشار لي وقال:
- أنا لا أضرُّ بالجميع كما تتصوَّر؛ هناك الكثير ممن يستطيعون الدفع ولا يحزنهم ضياع المال.. وفي النهاية، فإن اتفاقاتي مع الجميع لا تكون مُلزِمة لي بشيء.. لم يجبرهم أحد على التعامل معي.. لم يجبرهم أحد على دفع أي شيء.
- ومَن أخبرك مِن أين يأتيك الناس بالمال لتحقيق مآربهم؟ ومَن عيَّنكَ لتكون حَكَمًا ومنحك الحق في أن تستحلَّ نهب أموالهم مهما كانت كثرتها؟ هل تدرك أساسًا أصل كلمة "مال"؟ إذا كان "مال" فلان أو "ما له" يعني "كل ما هو ملك له"، فكيف تستحل أن تستولي عليه وتتصوَّر أنه "لكَ" أنت؟ أنت تعاقب ضحاياك على أنهم اختاروا التعامل معك والوثوق بك، ببساطة لأنك لستَ أهلًا للثقة.. حتى كلماتك الآن تتضمَّن هذا الاعتراف. هذا شيء جيد ليتعلمه ابنك عن والده، إذا أردتَ رأيي.
قال وقد ازداد غضبه:
- لا تسخر مني أكثر من ذلك.. إنما جئتُ لأعرض عليكَ فرصة للعمل معي، للتحسين من وضعك و......
لكني قاطعتُه في غضب أشد:
- وهل تتصوَّر أنني -أيًا كانت الظروف التي أمرُّ بها أو كانت حاجتي للمال- يمكن أن أقبل ذلك العمل ذا المال المشبوه أبدًا؟ أنا لم أسمح لكَ بأن تدعوني إلى فنجان شاي أو قهوة منذ أن بدأتَ عملك.. لم أسمح لكَ بوضع حقيبتك الغالية، التي لا أعرف من أين اشتريتَها فوق منضدتي.. حتى جلستي هذه معك، أشعر أنها تُشبهني وتصمَني بالعار على نحو أو آخر.. وكل هذا وعقلك المريض يصوِّر لك أنني من الممكن أن أقبل عملًا معك؟! أنتَ شخص هالك لا محالة.. شخص صعد إلى قمة شاهقة وألقى بنفسه من عَلٍ، وما يُنتَظَر منه فقط هو أن تستقبل أرض النهاية القاسية جثته فتمزقها إربًا. اذهب يا هذا بعيدًا عني، ولا تصمني بشبهات معرفتك أكثر. تبًا لك ولكل مَن علَّمك غاياتك ووسائلك المعوجَّة وجعلك تستحل ما للآخرين!
عند هذا الحد كانت نهاية الحوار، فنهض.. سمعتُه يهمهم بكلمات ساخطة لم أتبينها وهو ينحني ليأخذ حقيبته.. ألقى عليّ نظرة أخيرة، تفيض غيظًا وكراهية، واستدار لينصرف.
وإذ أرى ظهره المبتعد عني، بدأتُ أحاول أن أهدأ، لأستعيد الأجواء الهادئة التي كنتُ أجلس فيها قبل حضوره..
لكن قبل أن أفعل، استرعى انتباهي ذلك المشهد السريع جدًا.. المشهد الذي استغرقتُ وقتًا لأستوعبه، أطول كثيرًا من الوقت الفعلي الذي استغرقه المشهد نفسه.
كان ذلك المحتال لا يزال يبتعد في ساحة المقهى المفتوحة، عندما اعترضه فجأة شاب يوحي بمظهره بالعصبية الزائدة، قال كلمة أو كلمتين، وتحركت يده في سرعة خاطفة، حركة أمسك بعدها المحتال عنقه في ألم، وتراجع وعيناه تجحظان في ذهول غير مصدِّق والدماء تتفجَّر من عنقه.
وانطلقت الصرخات المذعورة في المكان.. وساد الهرج والمرج.
واعتدلتُ في مقعدي بانفعال وقد أصابتني الدهشة أمام المشهد فسمَّرتْني تمامًا حيث أنا، لأرى القاتل في حالة انفعال مخيفة، يلوِّح بنصل حاد دامٍ في يده، صارخًا في توحُّش:
- هو سرقني وأنا قتلتُه، فليلزم الجميع مقاعدهم!
بضعة شُبَّان قاموا بمناورة خطرة لتطويق ذلك القاتل الثائر والسيطرة عليه..
وسمعتُ أحدهم يهتف في جزع:
- فليستدع أحدكم الإسعاف حالًا.
لكن المشهد المأساوي أمامي وجسد المحتال الذي ينتفض انتفاضات ضعيفة أخيرة، كانا يؤكدان أن القدر قد كتب له النهاية بالفعل..
النهاية التي لم يكن يفكر فيها أبدًا.
**********
(تمت بحمد الله)

No comments:

Post a Comment