Saturday, February 18, 2023

(بوبي) - قصة مترجمة



(بوبي)

Bobby
من تأليف: ريتشارد ماتيسون..
وترجمتي المتواضعة.
=================================================
أمضَتْ "سوزان" أيامًا كئيبة حقًا، في ذلك المنزل القديم المُقام على التَّل المُشرِف على البحر..
كانت قد انفصلَتْ عن زوجها، لكن ما زاد حياتها بؤسًا وقتامة كان فقدانها لابنها "بوبي" الذي مات غريقًا. فقدانها إياه دمَّرها تمامًا حتى أنها شعرَتْ أنها لا تستطيع الاستمرار في العيش أكثر!
بمرور الوقت تحوَّلَتْ "سوزان" إلى الانطوائية والانغلاق، الأسوأ أنها انجذبَتْ إلى عالم السِّحر الأسوَد وعبادة الشيطان، تُقبِل على القراءة في كتبه بنهم كأنما تَدرِسها.. وكُلَّما كانت تقرأ أكثر، كانت تنغمس أكثر في ذلك العالم الرهيب. وبات الأمر بالنسبة لها أشبه بالإدمان؛ شيء لا يمكن أن تتوقَّف عن الاستزادة منه.
ثم صادفَتْ في قراءتها ذات ليلة تعويذة، قرأَتْ أنها من المفترض أن تبعث الموتَى..
مهووسة بالفكرة، ويائسة حَدّ الجنون، هرعَتْ تُنفِّذ الطريقة التي أوردها الكتاب، فانحنَتْ فوق أرض غرفة المعيشة ترسم نجمة خماسية، وتضيء بعض الشموع التي أحاطتها بها.
وفي مركز تلك النجمة تمامًا وقفَتْ، مُولِية وجهها إلى النافذة الزجاجية الكبيرة لمنزلها، التي أظهرَتْ السماء بحرًا مظلمًا لا تشقّه إلا الصواعق الرعدية في هذه الليلة الممطرة العاصفة، وقرأَتْ بصوت مرتفع، تهدَّج انفعالًا، من كتاب السِّحر القديم الذي تحمله..
- تعالَ، لبِّ رغبتي وافعل ما يوافق إرادتي. آمركَ، باسم الشيطان الذي ينصاع إليه كل شر، الذي تخرب الأرض باسمه، وتصير مياه البحار سوادًا، وترتجف له الجوامد. "لوسيفر"، أمير الظلام.. أَعِد إليَّ ابني الذي غرق في حادث. أَعِده إليّ الآن. آمركَ بهذا.
ثم نفخَتْ "سوزان" في الشموع فانطفأت، وانهارت على ركبتيها تنتحب وسط الظلام الذي هبط ثقيلًا يغمر كل شيء حولها.
لكن صوتًا ارتفع فجأة، مُرسِلًا قشعريرة ثلجية عبر جسدها بأكمله.. صوتًا يشبه خدشًا غريبًا جاء من ناحية باب منزلها، وأخذ يشتد، فيزداد وضوحًا..
تجمدَّت "سوزان" في موضعها، وهي تصغي إلى الصوت بمنتهى الانتباه، وبصوت ارتجفت كلماته، سألَتْ في خوف:
- مَن هناك؟
صمت طويل رهيب أجاب سؤالها.. صمت جعلها تتصوَّر أن ما سمعَتْه مجرَّد أوهام صنعها خيال وعي مضطرب.. لكن ذات القشعريرة الثلجية عادت تغزو جسدها، حين سمعَتْ همسًا يجيبها بلهجة أقرب إلى التساؤل:
- أمي؟
بلا لحظة تردُّد واحدة، نهضَتْ "سوزان" لتندفع جريًا إلى باب منزلها تفتحه.. وعلى عتبته، بدَتْ مصدومة حين رأَتْ صبيًا متكوِّمًا هناك غارقًا في البلل يرتجف بردًا. صاحَتْ وهي تكاد لا تصدِّق عينيها:
- "بوبي"! هذا أنتَ! إنه أنتَ حقًا!
وأسرعَتْ تساعده على النهوض لتدخله إلى المنزل الذي أشعلَتْ أضواءه، ثم هرعَتْ تأتيه بمنشفة كبيرة لفَّتْه بها، وأجلسته بجوار المدفأة التي أشعلَتْها محاولة أن تدفِّئه بكل وسيلة ممكنة.
كانت أسنانه تصطك ويداه ترتعشان، فقالت في حزن وتأثُّر كبيرين:
- لقد كنتُ وحيدةً جدًا وبائسة تمامًا بدونكَ يا "بوبي". أخبرني، أين كنتَ؟ وماذا حدث؟
أجابها الصبي بصوت متقطِّع من شدة ما يعانيه من البرد:
- أذكُر المياه.. المياه الباردة. وأنني لم أستطع أن أتنفَّس. أفقتُ، لكني لم أكن أتذكَّر مَن أنا.. مشيتُ ومشيتُ تحت الأمطار.. ثم كان أن وجدني بعض الأشخاص فأخذوني وأحضروني إلى هنا.. لم أكن أعي شيئًا حقًا.. لم أكن أشعر حتى ما إذا كنتُ حيًا أم ميتًا!
صاحت "سوزان" في انفعال:
- أنتَ حي يا "بوبي".. ما زلتَ حيًا يا صغيري!
سألها "بوبي":
- أكنتُ صبيًا مطيعًا يا أمي؟
أجابته في حنان:
- بالطبع كنتَ صبيًا مطيعًا.
سألها:
- أكنتِ تحبينني؟
قالت بعينين دامعتين:
- أنا أحبكَ.. من أعماق قلبي.
عاد يسأل:
- وهل كنتِ تعاملينني بلطف؟
هزَّت "سوزان" رأسها إيجابًا، وقالت:
- بالتأكيد يا "بوبي".
رمقها "بوبي" بنظرة طويلة غريبة، نظرة أثارت قلقًا غامضًا في قلب "سوزان"، ثم قال فجأة:
- أريد أن ألعب لعبة معكِ يا أمي.. لعبة الاختباء.
واندفع فجأة بسرعة يصعد الدَّرج المؤدِّي إلى الطابق العلوي، وتلا حركته هذه أن انطفأت أضواء المنزل فجأة أيضًا كأنما انقطعَتْ عنه الكهرباء دفعة واحدة.
وصاحَتْ "سوزان" منادية:
- "بوبي"، ماذا تفعل؟ أين ذهبتَ؟!
لكنها لم تتلقَّ إجابة.
صاحت "سوزان":
- "بوبي"، توقَّف عن هذا! أريدكَ أن تعود إلى هنا حالًا.
لم يكن يضيء المنزل إلا سطوع البرق الخاطف ووهج خافت محدود قادم من نار المدفأة القديمة، وتوقفت "سوزان" مترددة عند بداية الدَّرج دون أن تصعده.. حدَّقَتْ إلى الظلام الدامس بأعلى، ووجدَتْ شجاعتها تخونها، فصاحت في رجاء:
- "بوبي"، أرجوكَ لا تفعل هذا بأمكَ. ما الذي تفعله؟
في هذه المرة جاءها صوته من قلب الظلام يقول:
- ألستِ سعيدة بانطفاء الأضواء يا أمي؟ هذا يجعل اللعبة أكثر إمتاعًا.
هتفَتْ به "سوزان":
- ستؤذي نفسكَ في هذا الظلام!
استجمعَتْ شيئًا من شجاعتها فجأة، فبدأَتْ تصعد الدَّرج بحذر، متحسِّسة طريقها في الظلام.. لم تكن ترَى شيئًا على الإطلاق. ومن نقطة بدت بعيدة مجهولة، تردَّد صوته يكرره رجع الصدى على نحو عجيب، وهو يقول بوقع ذي لحن غريب:
- هلمي يا أمي.. عليكِ أن تجديني!
وتوقفت "سوزان" مندهشة مما يحدث! حار عقلها في تخمين المكان الذي اختبأ فيه، وعادَتْ شجاعتها تتخلَّى عنها سريعًا، فهتفَتْ بلهجة محذِّرة:
- "بوبي"، للمرة الأخيرة.. توقَّف عن هذا الآن! أنتَ تُغضِب أمكَ كثيرًا!
أجابها صوت الصبي هذه المرة دون تأخير، بلهجة جادة فجأة:
- نعم، هذه هي اللهجة التي اعتدتُها منكِ!
ثم سمعَتْ شيئًا يتحطَّم بدوي شديد، فغمغمَتْ في رهبة:
- يا إلهي!
هذا التغيُّر الفجائي في سلوكه وطريقته أقلقها، قرع ناقوس الخطر في أعماقها، فتساءلَتْ في اضطراب بصوت خافت كالهمس:
- "بوبي"! ما الذي تفعله؟
بنفس طريقته الجادّة التي غدَتْ مرعبة، وصلها صوته يقول:
- أنتِ فاشلة جدًا في هذه اللعبة يا أمي. دعينا نُبدِل الأدوار إذًا، اختبئي أنتِ، وسأجدكِ.
توتَّرت "سوزان" بشدة لدَى سماعها هذا.. ثمة شيء غير طبيعي في كل ما يجري! تراجعَتْ إلى الخلف في اضطراب، حتى أن قدمها تعثَّرَتْ في الدَّرجات فشهقَتْ وتوازنها يختل، فتسقط لتتدحرج بقوة إلى أسفل!
وبرغم ألمها، تأوَّهَتْ في خفوت، وهي تسمع الصبي يقول مجددًا:
- سأبدأ العَدَّ مِن عشرة، ثم آتي لأجدكِ.
صاحت في رجاء:
- "بوبي"! أنتَ تخيفني!
لكن صوته بدأ العَدّ التنازلي في آلية لا مُبالية، وهو يقول:
- عشرة.. تسعة.. ثمانية.. سبعة....
تحاملَتْ على نفسها لتنهض بسرعة، وهي تتلفَّتْ سريعًا حول نفسها بحثًا عن مكان يصلح للاختباء، وهي تفكر أن طباع ابنها "بوبي" قد تبدَّلَتْ بشكل مرعب حقًا.
وجدَتْ غرفة صغيرة بالجوار، فأسرعَتْ تختبئ فيها وتغلق بابها عليها فتحكم إغلاقه، في الوقت الذي تسارع فيه عَدّ الصبي التنازلي، حتى بلغ الواحد، فسمعَتْه يقول:
- ها أنا قادم الآن يا أمي.. أعرف بالضبط أين أنتِ.
ثم بدا وقع قدميه واضحًا وهو يهبط الدَّرج، وازداد وضوحًا وقُربًا، فتأكدَّتْ أنه يتَّجه إلى مخبأها مباشرةً. تجمدَّتْ "سوزان" تمامًا خوفًا، ورفعَتْ يدها تضعها على فمها، كأنما تكتم بها أي احتمال لصدور أي صوت عنها.
وبرغم هذا، سمعَتْ صوت الصبي كأقرب ما يكون وهو يقول:
- وجدتُكِ يا أمي.
وعلى الضوء الخافت القادم من سطوع البرق اللحظي، رأَتْ مِقبَض الباب يتحرك في محاولات عنيفة لفتحه، شهقَتْ في رعب، حين استحالَتْ إلى طرقات شديدة العدوانية، حطَّمَتْ خشب جسم الباب نفسه، وصنعَتْ فيه فجوة سمحَتْ ليد الصبي بالدخول، والبحث عن المزلاج الذي يغلقه، ففتحه ووقف بعتبته حاملًا مَطرَقة حديدية كبيرة.
وتراجعَتْ "سوزان" داخل الغرفة في رعب غير مُصدِّق، وبصوت باكٍ هتفَتْ:
- لماذا تفعل بي هذا يا "بوبي"؟ لماذا؟!
في ثَبات تقدَّم منها الصبي قائلًا:
- لقد كذبتِ يا أمي. لم يغرق "بوبي" في حادث بالصدفة.. أنتِ تعرفين هذا. "بوبي" أغرق نفسه بنفسه. فعلها لأنه لم يستطع احتمال الطريقة التي كنتِ تعاملينه بها، وقتل نفسه فقط ليبتعد عنكِ.
ألَا تفهمين؟ "بوبي" لم يُرِد أن يعود. "بوبي" يكرهكِ. لم يُرِد أن يعود، لذا فقد أرسلني بدلًا منه.
ثم سطع البرق للمرة الأخيرة ليضيء الغرفة، وصرخَتْ "سوزان" صرخة فزع طويلة، وهي ترَى انقضاضة ذلك الشيء الذي كشف البرق المؤقَّت وجهه البشع!
(تمت بحمد الله)

No comments:

Post a Comment