(بيربالانغات)
هذه القصة مبنية على ما جاء في كتاب "(كاغايان سولو)، تقاليدها، أساطيرها، وخرافاتها"، للمستكشف البريطاني (إيثيلبيرت فوربز سكيرتشلي)، عام 1896.
* ملاحظة: تدخَّلتُ في هذه القصة بإضافة بعض التعديلات، لجعل أحداثها أكثر إثارة ومنطقية.
**********
جنوب (الفلبين)، تقع جزيرة صغيرة، كان اسمها (كاغايان سولو) / (مابون) حاليًا.
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت الجزيرة أشبه بغابة، بها فقط بعض القرى الصغيرة.
وعندما زار المستكشف البريطاني (إيثيلبيرت فوربز سكيرتشلي) الجزيرة، سمع حكايات غريبة عن قرية بوسط الجزيرة، لم يكن يقربها أحد من سكانها المحليين! كانوا يقولون إن القرية، يسكنها مجموعة من المخلوقات تسمى "البيربالانغات"، وإن أهل (كاغايان سولو) قد عانوا العيش في رعب منهم لسنوات!
قال أهل الجزيرة إن "البيربالانغات" كائنات تشبه الإنسان، لكن يمكن للرائي أن يميزها من شكل أعينها.. فبؤبؤ العين لديها كان شقًا ضيقًا، تمامًا كما في أعين القطط. تلك "البيربالانغات" هي غيلان تأكل اللحم البشري.. تحتاج إليه للبقاء.. ولو لم تحصل عليه، فإنها تموت!
كانت تلك الكائنات - كما قال أهل الجزيرة - كثيرًا ما تحفر القبور، فتسحب منها الجثث لتخرجها، وتأكل أحشاءها. برغم هذا، لم تكن القبور الموجودة كافية لإشباع جوعها، لذا كثيرًا ما كانت تلك الكائنات تضطر للبحث عن لحم حي!
كانت ترقد بين الحشائش، وتكتم أنفاسها فتروح في غيبوبة. وفي الوقت الذي تخفي فيه الحشائش الطويلة أجسادها، تُحلِّق رؤوسها بعيدًا على نحو أسطوري، لاصطياد الضحايا. وإذا صادفتْ منزلًا، فإنها تهاجم أهله، وتتغذى على أحشائهم!
أخبر أهل الجزيرة (سكيرتشلي)، أن المرء بوسعه أن يعرف بمجيء "البيربالانغات"، عندما يسمع أصوات الأنين التي تطلقها..
حينما تكون تلك المخلوقات بعيدة، تكون تلك الأصوات عالية، لكنها تهدأ حينما تقترب. وعندما تغدو شديدة القرب، فإن الأنين يختفي تمامًا، فيُسمَع بدلًا منه صوت خفقان أجنحتها، ويُرَى وميض الأضواء الصادرة عن أعينها، التي تتوهج كحشرات مضيئة ترقص في الظلام!
حكى أهل الجزيرة أن هناك طريقتين فقط، يستطيع أن يحمي بهما المرء نفسه من "البيربالانغات". الأولى: أن يمتلك من يتعرض لهجومها "لؤلؤة جوز الهند" - وهي عبارة عن حجر كريم نادر يوجد أحيانًا في ثمار جوز الهند - بوسع المرء أن يستعمله كتعويذة، فتبقيه آمنًا. أما الطريقة الثانية، فكانت أن يدافع المرء عن نفسه بعصير الليمون المالح الحمضي. فلو أنه يحمل سكينه المشرشر - شائع الاستخدام في هذه المناطق من جنوب شرق آسيا - ونصله مدهون بعصير الليمون المالح، يمكنه استعماله لضرب الوحوش وتمزيقها.
و"البيربالانغات" تسير معها الأمور بالعكس، ولا تكون أبدًا كظاهرها، فعندما ترى أضواء أعينها وتسمع أنينها قادمًا من أمامك، فهذا يعني أنها في الواقع خلفك.. فعليك أن تستدير فورًا وتلوح بسكينك!
كان أهل (كاغايان سولو) يحمون قبورهم برش عصير الليمون المالح عليها، لمنع التهام تلك الكائنات للجثث. كل موتى الجزيرة كانوا مدفونين تحت المنازل، حيث تُرَش الأرض يوميًا بالعصير الحامض، لإبقاء تلك الوحوش بعيدًا.
**********
بعد سماع الكثير من الحكايات عن تلك المخلوقات الغريبة، صمم (سكيرتشلي) أن يعرف ما إذا كانت تلك القصص المخيفة تنطوي على أي حقيقة..
أراد أن يذهب إلى قرية "البيربالانغات"، لكن أحدًا لم يوافق على أن يكون دليله ومرشده إليها.
في النهاية، وبعد جهد مضن في البحث، وعرض مقابل مادي مغرٍ، قابل (سكيرتشلي) فتى محليًا من أهل الجزيرة، يدعى (ماتالي)، كان الشخص الأوحد الذي وافق على أخذه إلى هناك.
في الصباح التالي لاتفاقهما، بدأ (سكيرتشلي) و(ماتالي) رحلة مضنية صعبة عبر الأدغال إلى المكان المنشود. وحين بدأت الشمس رحلتها لتأفل غاربة، كانت قرية (البيربالانغات) قد لاحت أمامهما على مدى البصر.
توقف (ماتالي) فجأة، ورفض التقدم أكثر.. قال مشيرًا إلى القرية من بعيد:
- ذلك هو المكان.. أنت قد رأيتَه الآن. دعنا نذهب.
لكن (سكيرتشلي) أجاب بحزم:
- أنا لم آتِ كل هذه المسافة لأتوقف الآن!
قال الفتى في توتر:
- هذا أمر شديد الخطورة.. لو أنك مصر، فاذهب وحدك!
كان (ماتالي) يحاول إقناعه ألَّا يدخل القرية، لكن المستكشف كان مصرًا جدًا.
- خذ هذا معك إذًا!
قالها الفتى وهو يناوله سكينه المشرشر، الذي دهن نصله بالعصير الحمضي، وأردف محذرًا:
- لو رأيتَ أي طعام، فلا تأكله! إنهم يتركون أحيانًا طعامًا للدخلاء، يبدو كالسمك المتبل بالكاري، لكنه عبارة عن مظهر خادع ليس إلا. لو رششتَ ذلك الطعام بعصير الليمون، سترى أنه في الحقيقة لحم آدمي. لو أكلته، ستُلْعَن روحك للأبد، وستتحول إلى واحدٍ منهم!
لم يُعقِّب (سكيرتشلي) بحرف واحد على ما سمع.. فقط أخذ السكين، وبعض الليمون المالح، وواصل طريقه وحده نحو القرية في صمت.
عندما دخل المستكشف البريطاني القرية، فوجئ بأنه وجدها خالية!
كانت هناك نحو دستتين من الأكواخ المتناثرة بها، وليس بها مخلوق حي، عدا بعض الدجاجات وعنزة واحدة.
تفقَّد (سكيرتشلي) العديد من الأكواخ، لكنها كانت مهجورة. في أحد الأكواخ، وجد بعض الأرز موضوعًا في قدر، وكان لا يزال ساخنًا، كما لو أن سكان المكان، قد قاموا وتركوه للتو، دون أن يتناولوا وجبتهم!
غادر (سكيرتشلي) القرية متعجبًا وهو يتلفت حول نفسه، وعاد إلى (ماتالي)، فأخبره حائرًا بأمر القرية المهجورة، ليشحب وجه الفتى، ويقول:
- هذا يعني أنهم خرجوا للصيد.. سيدي، ينبغي أن نرحل فورًا. المكان هنا يصير شديد الخطورة بحلول الظلام!
كانت الشمس قد غاصتْ في الأفق، عندما بدآ رحلتهما للعودة، وبعد قليل، كان الظلام قد حل تمامًا. لم تكن هناك حتى نسمة هواء واحدة تتحرك من حولهما، وبدا الصمت الذي يلف المكان من حولهما غير طبيعي!
وبينما هما لا يزالان عند منتصف الطريق، إذا بهما يسمعان فجأة صوت أنين مرتفع!
صوت كان أشبه بأنين شخص يعاني الألم!
انحنى (ماتالي) فورًا، ليربض بين الحشائش الطويلة مختبئًا، وجذب (سكيرتشيلي) ليحذو حذوه أيضًا. همس الفتى بعينين اتسعتا انفعالًا وتوترًا:
- إنهم قادمون! يجب أن نختبئ. أتمنى أن يمروا، دون أن يرونا. إنها فرصتنا الوحيدة!
رقدا هناك وسط الحشائش الطويلة، وأنصتا السمع في توتر شديد إلى صوت الأنين الرهيب، الذي أخذ يخفت شيئًا فشيئًا.. كان هذا يعني أن "البيربالانغات" تقترب، حسبما يحكي أهل الجزيرة.
فجأة انقطعتْ أصوات الأنين بأنة أخيرة خافتة، وعندها استطاع كلاهما تمييز صوت خفقان الأجنحة من فوقهما.. ورفعا رأسيهما قليلًا في حذر، فأبصرا الأعين المتوهجة بالضوء الأحمر المتراقص تمر من فوقهما!
وشعر (سكيرتشيلي) بـ(ماتالي) يقبض على ذراعه في قوة، وأحس بجلده يقشعر، كأنما يسري تحته دبيب كدبيب النمل! كان كلاهما مرعوبين.. تمكن منهما الرعب، فشلَّ حركتهما تمامًا!
مرت الأضواء الحمراء المتراقصة، وخفتت ضوضاء خفقان الأجنحة، ومن وراءها، عادت أصوات الأنين تعلو وتعلو من جديد!
- لقد ذهبوا!
هكذا همس (ماتالي)، وابتلع ريقه مردفًا:
- نحن بمأمن الآن!
واصل كلاهما طريقهما خلال الوادي الذي يقطع الأدغال، وقد تعمدا البقاء وسط الحشائش الطويلة، وأعينهما لا تفارق الأضواء الحمراء المتذبذبة من بعيد!
عندما اقتربا من قرية (ماتالي)، رأيا منزلًا منعزلًا من بعيد، وكانت أصوات الأنين قد خفتت مرة أخرى!
- "إنهم في ذلك المنزل!"، قال (ماتالي)، "أنا واثق من هذا. لكن، لا تقلق.. أنا أعرف صاحبه (حسن).. إنه يمتلك لؤلؤة جوز هند، يستعملها لحمايته. علينا أن نسرع الآن، فهذه فرصتنا للهرب."
تحركا بسرعة، واستطاعا العودة إلى قرية (ماتالي) سالمين.
في الصباح التالي، استيقظ (سكيرتشيلي) والشك يتنامى بأعماقه تجاه ما رآه وما سمعه.. ظن أنه ربما كان أحمق، ليسمح لخرافات الفتى ومخاوفه بأن تخيفه هو نفسه، وربما كان لما رأى أي تفسير منطقي آخر.
وهكذا قرر أن يزور المنزل المنعزل أثناء النهار، وأن يسأل (حسن) إن كان قد رأى أي شيء ليلة أمس.
برغم هذا، ما إن أخبر (سكيرتشيلي) القرويين أنه راغب في الذهاب إلى منزل (حسن)، حتى عزفوا جميعًا عن الذهاب معه. فأدرك أن عليه أن يذهب وحده!
عندما وصل المستكشف البريطاني إلى المنزل المنشود، طرق الباب، لكنه لم يتلق أي استجابة!
صاح مناديًا (حسن) بضع مرات، لكن الوضع بقي كما هو، وما من مجيب!
حاول (سكيرتشيلي) تفقد المكان، فدفع الباب بحذر ليفاجأ به ينفتح أمامه في سهولة مصدرًا صريرًا عاليًا.. وفي فضول، دخل إلى المنزل، مديرًا عينيه فيما حوله.
كانت ستائر النوافذ مُسدَلة، وكان المنزل غارقًا في الظلام.
بصعوبة -وعلى أثر الضوء القادم من الباب المفتوح- تبين (سكيرتشيلي) وجود شيء كالمكتب، تبعثرت فوقه كتب وأوراق، بالإضافة إلى سرير، تكوَّمتْ فوقه كتلة غير واضحة المعالم!
عندما حاول البريطاني الاقتراب أكثر، وأشعل عودًا من الثقاب أضاء المكان، هاله أن يدرك أن تلك الكتلة لم تكن سوى جثة.. جثة (حسن) نفسه!
كان ميتًا! يداه منقبضتان بقوة.. وجهه شوهته صرخة ألم وذعر، وعيناه الجاحظتان تحدقان إلى الفراغ بنظرة ألم مرتعبة!
وأفاق (سكيرتشيلي) منتفضًا من صدمته، وتحرك بأنفاس لاهثة من فرط الانفعال، فاندفع في اضطراب نحو باب المنزل، حتى كاد أن يتعثر في عتبته.. لكنه تجمَّد مكانه فجأة رعبًا، واتسعت عيناه في ارتياع..
فهناك، فوق الحشائش المتموِّجة المحيطة بالمنزل في مساحة شاسعة، وتحت حرارة شمس النهار القائظة، ظهر صوت أنين مميز..
أنين سرعان ما أخذ يخفت ويخفت، بشكل مُطَّرِد!
**********
(تمت بحمد الله)
**********
برغم أن الجزء الأول عن حكايات أهل الجزيرة -بحسب ما جاء في كتاب (سكيرتشلي)- هي أحداث أو أساطير يؤمن بها أهل الجزيرة حقًا، إلا أن الجزء الثاني، واضح جدًا فيه جانب الخيال.. فقط أتمنى أن أكون قد قدمت بهذا العمل تجربة جديدة وممتعة.

No comments:
Post a Comment