Wednesday, February 22, 2023

(لا تَطلُبْ هذا الرَّقْم!) - قصة



 (لا تَطلُبْ هذا الرَّقْم!)

لا بُدَّ أنكَ كنتَ لتشعر بدهشة عارمة، إذا عرفتَ أن اسمه (جمال).
فـ(جمال) هذا، لم يَكُن له أدنَى نصيب من اسمه، لا في الشَّكل ولا الصِّفات، لا الخِلقة ولا الخُلُق؛ وقد طَفَحَتْ مساوئ نفسه عن ستر حدودها، فتركَتْ انطباعًا وبصمة لا تخطئهما العين، في الملامح وحتَّى نبرة الصوت ذاتها.
إذا رأيتَه في أي وقتٍ، بقامته النحيفة، وقميصه الواسع جدًا، المتهدِّل دائمًا خارجًا من سرواله، الذي تُقسِم لكَ كل كسرة عشوائية فيه على أن المكواة لم تعرف طريقًا إليه قط، لمنحكَ فورًا هذا الانطباع –أيًا كنتَ- بأن عليكَ أن تجتنبه وتتحاشَى التعامل معه، حتَّى مع فقر حاله الذي قد تشي به هيئته.
أشياء كثيرة عنه لم يقُلها صاحبه (شوقي)، برغم أنه حاول فيما ذَكَره أن يورِد تفاصيل كثيرة، وهو يدخِّن سيجارته في توتُّر ملحوظ، فَرَضه عليه موقفه فرضًا؛ فهو لم يتصوَّر طيلة عمره أن يجد نفسه في مثل هذا الموقف، برغم أن الجميع يعرفون أنه يُعَد خير مَن يعرف (جمال) وأقرب الناس إليه، لكن تبقَى حقيقة أن (شوقي) لم يكُن يحسب حسابًا لهذا التحقيق الشُرَطيّ المفاجئ، الذي يتعرَّض له الآن.
***********
يقول (شوقي):
- لم يكُن (جمال) بارعًا -حَرْفيًا- في أي شيء؛ لم يكُن طالبًا مجتهدًا ولم يهتم بالتعليم أصلًا، لم يسعَ إلى معرفة شيء يُذكَر عن تخصُّصه حين حصل على شهادة الدبلوم الصناعي بعد جهدٍ كبير، بأقل تقدير مُمكن وفي أطول وقت يُمكِن تصوُّره، وبمشاجرة عنيفة، أعقبها أن طرده والده من المنزل. لم أسمع عن كونه قد وُفِّق في العثور على عمل مناسب، لم أسمع حتَّى كلمة شُكر أو أرَ تعبير رضا من أي زبون قصده يومًا في عمل، مهما كان تافهًا.
ثم يلتقط نَفَسًا في توتُّر واضح من السيجارة المشتعلة بين أصابعه، يقول بعده:
- لكن أكثر ما يهمه، كان –ولا مؤاخذة- النساء. شغله الشاغل كان النساء، كل شخص تعامَل معه لفترة بسيطة، كان يلاحظ سريعًا ذلك الأمر، برغم أنه ظنَّ أن السوء الحظ ظلَّ يلاحقه حتَّى فيما يخصهن.
يسأله ضابط المباحث مستوضِحًا:
- إذًا، كان يعرف الكثير من النساء؟
يهزُّ (شوقي) رأسه نفيًا، وهو يلتقط نفسًا آخر من سيجارته:
- ولا واحدة، على حَدّ علمي. لكني أعني أنه كان يفتِّش عنهن في كل مكان وكل وقت.
***********
شيء مما كان يعرفه (شوقي) –وآخرون كثيرون- عن (جمال)، هو سعيه الدائم غير الشريف وراء النساء. كان من ذلك الطراز الذي تفضحه تصرُّفاته وسلوكياته وحتَّى نظراته، وقد نجح بامتياز في إضافة هذه الصفة الذميمة إلى أسباب تجنُّب الآخرين له؛ فكم من صاحب منزل أو صاحب عمل أصرَّ على طرده وإبعاده، بسبب هذه النقيصة وحدها!
هل كان متحرِّشًا إذًا؟
كان متحرِّشًا من نوع خاص جدًا؛ فحظه النحس –كما يقول دائمًا- أبَى أن يفارقه حتَّى في هذا الأمر، جاعلًا المرأة الوحيدة التي فكَّر أن يجرب حظه معها بالتحرش الفعلي في قلب الشارع، تواجهه بسيل لم يستوعبه من السباب والشتائم، قبل أن يتدخَّل مارَّة آخرون –على غير ما اعتاد أن يرَى أو يسمع مؤخَّرًا- يدفعونه ويعيبون تصرُّفه بغلظة شديدة.. حين قابلها هو بسوء خلقه وسلوكه الشهيرين، انهال عليه الضرب بالأيدي والأرجُل والنعال.
أحد حثالة البشر الذين تعرَّف إليهم في "الغُرزة" -وكر الموبقات الذي كان يواظب على الذهاب إليه- أخبره ساخرًا مما أصابه، أن ثمَّة طريقة أخرى أكثر أمنًا من ذلك التحرُّش المباشر، طريقة لن يطاله فيها أحد ليعاقبه على ما يأثم.
- "الموبايل".
كان هاتفه المحمول موضوعًا بقربه، فألقَى عليه (جمال) نظرة غَبِيَّة غير فاهمة.
- لو أن كلامكَ مع أي واحدة بـ"الموبايل"، فكيف سيعرف أي شخص مَن أنتَ أو أين مكانكَ أصلًا، ليحاسبكَ؟
- "الموبايل"!
كيف لم يفكر في هذا الحل من قبل؟!
لكن سرعان ما تبادر إلى ذهنه سؤال آخر:
- وكيف أصل لرَقْم أي امرأة، لأجرِّب طريقة "الموبايل" هذه؟
**********
ولأن الأمر يتعلَّق بأُولَى اهتماماته وشغله الشاغل، لم يترك (جمال) وسيلة واحدة، مهما كانت حقيرة، إلا وجرَّبها..
استعارة أرقام بنات الهوَى من هواتف معارفه وأصحابه ومَن يجلسون لتدخين الحشيش الرديء معه..
تنقيب مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي –التي كان يجهل الكثير بشأنها- عن أي رَقْم مكتوب أنه يَخُصّ امرأة، أيًا كانت وأيًا كانت صفة الرَّقْم المكتوب.
حتَّى فتيات خدمة عملاء شركات الاتصالات والتأمين وبيع مرشِّحات المياه وسواها، ممن يعملن في مجال التسويق الهاتفي، لم يكن يرحمهن، برغم اتصالهن في العادة من أرقام خاصة بالعمل.
حتَّى أرصفة الشوارع، كان يسير برأس مُنحنٍ، وعيناه تكنسانها كَنسًا، بحثًا عن ورقة صغيرة مُلقاة عليها رَقْم، لعلَّه يصادف أن يكون رَقْم امرأة، يلاحقها بسخافاته وبذاءاته التي لا تنتهي!
أما عن نتائج هذا كله، فتنوَّعت بين المرَّات التي كان يجد فيها أن المتحدِّث ذَكَرًا، فكان يُنهي هو الاتصال في الحال. فقط لينتظر قليلًا، ثم يحاول من جديد مع رَقْم جديد.
فلو صادفته أنثَى، أيًا كان سِنّها أو أسلوبها، فكان لا بُدَّ من أن يلاحقها باتصالات متكررة كثيرة جدًا، حتَّى تضعه في القائمة السوداء، أو تغلق هاتفها تمامًا لفترات طويلة للغاية، ربما استدامَتْ لتصير أبدية.
غدت هذه لعبة بالنسبة له.. لعبة يشجِّعه عليها مستنقع الفساد في أعماقه، وسط دخان الحشيش، وألعن صحبة ممكنة، ولا يثنيه عنها عدد المشاجرات والشتائم اللا نهائي الذي كان يتلقَّاه بسببها طوال الوقت.
لكن كان لا بُدَّ من أن يحاول.
النقود التي كان يكسبها، من أعمال بالصُّدفة، لم يكن يتقنها، كانت تضيع كلها على رصيد للهاتف وتدخين الحشيش الرديء، ويبقَى منها بالكاد ما يكفي للمأكَل فحسب. حتَّى الغرفة الضيِّقة الحقيرة، التي كان يقيم فيها بالإيجار، والموجودة فوق سطح أسوأ منزل يمكنكَ تخيُّله، لم يكن يدفع إيجارها بانتظام، تاركًا بهذا المجال مفتوحًا أمام مشاجرات أخرى دائمة مع صاحب المنزل. لكن هل يُبالي؟ ما الجديد في هذا كله؟ الشجار والشتائم شيء معتاد، غارق فيه هو حتَّى النخاع بصفة يومية. الكرامة تبدو كلمة ذات وقع غريب بالنسبة له، يستحيل أن يحتويها قاموس عالمه.
ما كان يهمه ويؤرِّقه بالفعل هو أنه لم يحظَ بامرأة قط، برغم كل محاولاته وسعيه!
- نحس.. نحس!
دائمًا ما كان يردِّدها في غيظ، لاعنًا حظه السيئ، الذي لم يجعله يُصادِف حتَّى إحدى بنات الهوى، إلا حين تظهر في أفلام أو مسلسلات التلفاز!
يشكو هذا الحال لرفاقه، فيغرقون في نوبة من الضحك الساخر المستهزئ، تزيده غيظًا على غيظ.
(شوقي) كان الوحيد الذي لم يقابل "شكواه" بالسخرية، كان الوحيد الذي قال له في شيء من الجدّية:
- وهل تتوقَّع أن تجد علاقة تريحكَ مع امرأة –أي امرأة- بطريقتكَ هذه؟!
يردُّ (جمال) في خشونة وحماقة:
- كلهم يقولون إنهم يفعلون. كلهم يحكون ما يفعلونه، وبتفاصيل التفاصيل!
يهتف (شوقي) مستنكرًا:
- وهل تصدِّقهم؟! ألم تفكِّر لحظة في أن كل ذلك قد يكون كذبًا وتلفيقًا؟!
يقول (جمال) في سخط:
- ولماذا سيكذبون؟!
فيجيب (شوقي) سريعًا سؤاله بسؤال، مستعجبًا:
- ولماذا سيصدُقون؟! إنهم ليسوا صُحبة مسجد يا رجل! أفِق قليلًا، بالله عليكَ! أنتَ رجل "صنايعي" والحمد لله، لِمَ لا تركِّز تفكيركَ في إتقان صنعتكَ، وتدَّخر مالكَ لتتزوج؟ ما الذي تفيده من كل ما تفعله؟!
لكن (جمال) حتمًا لم يكن الزواج ليرضيه، لم يكن أي حل قويم أو وضع صحيح ليناسبه.
تركيبة نفسه التي لا تفكر إلا في المفاسد والحرام، كانت بعيدة كل البعد عمَّا سواهما.
لذا، سيعرف كيف يجد السبيل إلى ما يريد وما يشتهي..
فقط الأمر قد ينطوي على بعض المخاطرة.
**********
كانت المرة الأولى تقريبًا في حياته التي يُخطِّط فيها (جمال) لشيء.
في رأيه، كان عليه أن يغيِّر أولًا وكر تدخين الحشيش المعتاد، بواحد آخر جديد لا يعرفه فيه أحد.
ظلَّ يبحث لفترة باجتهاد، لو كان قد بذله في أي شيء آخر ذي قيمة في حياته لأفلح.. إلى أن عثر أخيرًا على وكر جديد، لم يبدُ أصحابه شديدي الشَّك بما يمنع انضمامه إليهم..
وبرغم أن المكان كان بعيدًا بالفعل، يجبره على إضاعة ما يقرب من 4 ساعات في المواصلات منه وإليه، لكنه نال استحسانه؛ هذا هو المطلوب تمامًا.
يهبط من الحافلة العامة بطلب من السائق أن يتوقف له عند أقرب مكان يصلح للتوقف، لأنه لم تكن ثمَّة محطة قريبة، ثم يقطع على قدميه مسافة لا بأس بها، حتَّى يجد تلك "الغُرزة" المشبوهة التي وقع عليها اختياره، عند طرف إحدى الضواحي.
يدخل إليها بخطى متئدة، ليجلس تحت ما يشبه تعريشة رخيصة كبيرة من القش والخشب، مغلقة في معظمها إلا من مَدخَل واحد، ملأ جوها ذلك الدخان المثير للشبهة، الذي يصلح في حد ذاته لأن يكون دليل إدانة ضد كل مَن فيها.
يلقي عليه بعض الجالسين نظرة عابرة، يبادلهم هو إياها.
هذه الخِلَق الكالحة تشبهه نوعًا بطريقة ما؛ عليها انطبع ذلك الطابع المُشترَك بالسلبية واللا مبالاة، مع لمسة ظاهرة من الإثم والغباء وبلادة التفكير.
يعرف أن عليه أن يجلس مع صُحبة لئلا يثير الشك، ولئلا يتجنَّبونه ويعاملونه كأنه أحد المخبرين. صحيح أنه تردَّد على المكان أكثر من مرة الآن، حتَّى بات وجهًا مألوفًا لبعض العاملين فيه على الأقل، لكنه لم يكن يريد لفت الانتباه. على العكس، كان يخدم أهدافه مباشرةً أن يجلس بينهم ويتظاهر بمحاولة الاختلاط بهم. لذا، فقد انتقَى مجلسًا وسطًا، يسمح لأذنيه بالتقاط أقصَى ما يمكن سماعه؛ حيث سيعتمد عليهما بالأساس في كل شيء.
يتظاهر بالانشغال بالعبث بهاتفه المحمول الصغير الرخيص، إذ يسحب نفسًا من مبسم الجوزة، بينما تحاول أذناه فرز ما يتناهَى إليها من كلمات، لينتقي منها ما يهمه.
كان واثقًا من أنه لن يستغرق طويلًا حتَّى يجد ضالته. ذاك الذي يتحدث عن مغامراته المشينة هناك، ليس بعيدًا جدًا. اختلس إليه النظر من طرف خفي، فوقعت عيناه على شاب طويل القامة، لاحظ أنهم ينادونه باسم (ماهر). هدفه إذًا هو (ماهر) هذا. لا بُدَّ أنه سيجد لديه الكثير مما يرضي رحلة سَعيه الطويلة. تلك الصفاقة السافرة التي كان يحكي بها عن مغامراته المشينة، كانت تؤكِّد هذا.
لذا انتظر (جمال) طويلًا، دون أن يضجر أو يتململ حتَّى في جلسته، وعندما حانت اللحظة المناسبة، اللحظة التي لمح فيها بطرف عينه هدفه يتجه إلى دورة المياه بالمكان، كان هو أيضًا ينهض ويستعد ليتبعه.
برغم السحابة اللعينة التي أحاط بها الحشيش عقله، وصنع منها غِمامة تغطي حواسّه، كان (جمال) يحاول أن يتصرف بحذر. لم يكن أحد ليحاسبه على محاولة الدخول إلى دورة المياه، لكن العواقب ستكون وخيمة جدًا بالتأكيد، إذا وقع أي خطأ وهو يفعل ما ينتويه.
كان يعلم أن (ماهر) لن يترك أبدًا هاتفه المحمول خلفه ولن يأتمن عليه أحد، وحتَّى إذا شاء الذهاب إلى المرحاض، فإنه سيبقيه في جيبه.
الآن، للحصول على المحمول، يتطلَّب الأمر مباغتة ذلك الثور ضخم الجثة بضربة قوية، دون أن يراه هو أو غيره، وسلبه هاتفه لدقائق فقط، يستعير خلالها بعض الأرقام منه.
مخاطرة؟! بالفعل. مخاطرة كبيرة، لكنه يعتقد أنه تَناوَل جرعة الحشيش المناسبة التي ستجعله غير مبالٍ.
أكبر مشكلة هي ألَّا ينجح في مباغتة (ماهر) تمامًا فيراه، أو أن يراه شخص ثالث يفعل ما يفعل. وقتها ربما كانت في ذلك نهايته!
لكنه لم يتراجع..
دخل إلى دورة المياه وراء هدفه بخطوات بطيئة متمهِّلة حذرة. أدار عينيه في المكان الضَّيِق، الذي يفتقر كثيرًا إلى النظافة في كل لمحة منه لدرجة تغنيكَ عن الوصف أو محاولة التخيُّل. ثم استقرَّتْ عيناه في دهشة غير مصدِّقة على الهاتف المحمول الصغير ذي اللون البني المُميَّز، الموضوع فوق حامل الأحواض!
(ماهر) ترك هاتفه هنا؟! هل تركه قبل أن يدخل إلى إحدى مقصورات المرحاض؟ لماذا فعلها؟!
على أن الهاتف في وضعه هذا، كان يمثل إغراءً لا يُقاوَم لـ(جمال)؛ إنها الفرصة وقد جاءته على طبق من ذهب.
تلفَّت حوله ليتيقَّن من أمان موقفه، فلم يبصر أحدًا، لا أحد يراه. فقط لو تصرَّف الآن سريعًا دون تردُّد، لانتهَى كل شيء على خير ما يرام، بأقل مخاطَرة ممكنة.
تقدَّم من الهاتف في انفعال، وأمسك به مُفكّرًا لحظات في أفضل طريقة ممكنة يحصل بها على الأرقام الموجودة فيه. هل سيكفي الوقت لفك شريحة الاتصال ونسخ الأرقام منها إلى هاتفه؟ كلا بالتأكيد، سيفاجئه الوغد (ماهر) بخروجه قبل حتَّى أن يبدأ في نقل رَقْم واحد!
إذًا؟
كان ما هداه إليه عقله في هذه اللحظات هو تفقُّد قائمة آخر المكالمات بالهاتف، وحفظ أي رَقْم فيها يخص امرأة. نعم، هذه هي الوسيلة الأمثَل والأسرع، سيحفظ أول رَقْم يراه مقترنًا باسم امرأة على الهاتف.
ضغط زرًا ليضيء شاشة الهاتف بسيط الاستعمال، وتحمَّس حين وجد الشاشة غير مُقفَلة. ضغطة بسيطة أخرى أوصلته إلى قائمة آخر المكالمات، وضغطة ثالثة كان يطالع بعدها الأرقام الموجودة بالقائمة.
وشعر (جمال) بدهشة عارمة..
كانت القائمة تحوي رقمًا واحدًا فحسب، رقمًا بلا اسم.
تبًا! الوقت لا يكفي الآن لمحاولة البحث والتنقيب في الهاتف عن قائمة جهات الاتصال، واستعراض ما فيها، خاصةً وباب المقصورة ينذر في كل لحظة بانفتاحه ليخرج منه (ماهر) فيجعل من ليلته جحيمًا!
سيحفظ إذًا هذا الرَّقْم، ربما كان فيه مبتغاه.
وبدا له الرَّقْم سهلًا. كرَّره همسًا بشفتيه على عَجَل ثلاث مرات، قبل أن يترك هاتف (ماهر) ويخرج هاتفه هو، ويتحرك للخروج من المكان وهو يكتب الرَّقْم فيه، حتَّى لا ينساه.
انتحى رُكنًا خارج دورة المياه، ووقف يحفظ الرَّقْم باسم في هاتفه.
وخُيِّل إليه أن غياب (ماهر) بالداخل قد طال، كل هذا الوقت كان ليكفيه حتمًا لمزيد من البحث ومزيد من الأرقام.
لكنه لم يخاطر أبدًا بمحاولة العَوْدة إلى دورة المياه. لقد اكتفَى بحفظ الرَّقْم باسم "جديد" مؤقتًا.
الآن يتحرك (جمال) للعودة إلى حيث كان يجلس، لكنه يتوقف من بعيد مندهشًا مجددًا..
إنه (ماهر) يجلس هناك، حيث كان يجلس من قبل! متى غادر دورة المياه ليعود إلى مكانه؟ وكيف لم يشعر به؟!
هل استغرق وقتًا طويلًا إلى هذا الحد، وهو يسجِّل الرَّقْم الجديد بهاتفه؟ وهل استغرقه الأمر تمامًا، فلم يلاحظ (ماهر) وهو يغادر دورة المياه؟
لكن المهم هو أن (ماهر) نفسه لم يلاحظ شيئًا.
يجدر به الآن إذًا أن يغادر المكان كله، فلم تَعُد له به حاجة للتواجد فيه.
**********
الآن يسير (جمال) في ذلك الطريق الطويل نوعًا، الذي يوصله إلى الشارع الرئيسي، الذي تمرُّ منه المواصلات التي تعود به إلى حيث منزله.
الطريق صامت جدًا، موحش جدًا. لذا يفكر أن يؤنِس شيئًا من وحشته بتجربة الاتصال بالرَّقْم الجديد الذي حصل عليه توًا.
يداعب خياله لحظات، ذلك الصوت الأنثوي الناعم، الذي يُمَنِّي نفسه بأن يجيب اتصاله، فيعده بكثير مما حلم به! يُجَسِّم الخيال الصورة أكثر داخل عقله، فيتدفق الحماس في عروقه، ليخرج هاتفه بلا تأخير، ويبحث في حماس عن الرَّقْم المُسَجَّل حديثًا به، فيعثر عليه دون جهد كبير.
ودون أن يضيع لحظة إضافية، يضغط (جمال) زر الاتصال به..
بذهن غير صافٍ، لا بُدَّ أنه قد أثَّر علَى حاسة الإبصار لديه، كان يشعر أن ثمَّة شيئًا خطأ، وهو ينظر إلى الرَّقْم الذي يتَّصل به الهاتف في يده، فيبدو له الرَّقْم المطلوب أطول من اللازم.. أطول كثيرًا.
تُظهِر الشاشة أمام عينيه أن هناك مَن أجاب الاتصال، ليفتح ذلك العدَّاد الصغير، الذي يحسب مدة المكالمة تلقائيًا، فيُسارع برفع الهاتف إلى أذنه مستمعًا.. لقد تعوَّد أن يستمع إلى صوت المجيب أولًا..
غريب هذا! ثمَّة تشويش استاتيكي بسيط يصل إلى أذنه من الطرف الآخر للهاتف، يقترن بصوت، اُستغرق عقله -الواقع جزئيًا تحت تأثير الحشيش- نحو ربع الدقيقة ليستوعب أنه صوت أنفاس ثقيلة!
في تردُّد، أحسَّ أن عليه أن يكون هو المُبادِر بالكلام هذه المرة، وهو يقول:
- ألو...!
وفي الحال، أجابه ذلك الصوت العجيب، الذي فاجأه بأنه ليس صوتًا لذكر أو لأنثى.. ليسَ صوتًا لأي مخلوق حي في الواقع:
- مِن فضلك، لا تطلبْ هذا الرَّقْم أبدًا مجددًا.
كأنها رسالة آلية مُسجَّلة!
لكن أية رسالة آلية هي، التي تعطي هذا الطابع التهديدي المخيف لصوت مُسجَّل؟!
وأية رسالة آلية هي، التي تنتظركَ أن تتحدث أنتَ أولًا قبل أن تبدأ، بادئة فتح الاتصال بأنفاس ثقيلة؟!
وبرغم بساطة وصراحة ما سمع، حاول (جمال) أن يقول شيئًا، أي سخافات قد يسعفه عقله بها، إلا أنه فوجئ بانقطاع الاتصال! الأمر الذي جعله يبعد الهاتف عن أذنه، ويُحدِّق إليه في استنكار!
هل كان هذا الصوت لفتاة، لكنه لم يستطع أن يتبيَّنه جيدًا؟
هل استشفَّت من طريقته أن عقله واقع تحت تأثير مُخدِّر ما، فقالت ما قالت ثم أنهت الاتصال؟
الحقُّ أنه لم يكن متأكدًا، لم يكن واثقًا بشكل قاطع من شيء في حالته هذه.
كم من مرة سابقة، تكرَّر معه موقف أن يعيد الاتصال بمن ظنها أنثى، ليجد أن مَن يجيبه ذَكَرٌ، يطالبه بخشونة بأن يفيق قليلًا ليميِّز طبقة الصوت!
لِمَ لا يكون هذا التشتيت هو ما حدث في هذه المرة أيضًا؟
لماذا إذًا يشعر بأن ذلك الاتصال ترك انطباعًا مُقبِضًا لديه؟
لماذا تتردَّد أصابعه في طلب الرَّقْم مجددًا؟
لكن لا بُدَّ من أن يحاول ثانيةً الآن، وإلَّا كان عليه أن ينتظر قرابة الساعتين، حتَّى يصل إلى مسكنه، لأنه لن يجد راحته في تكرار شيء كهذا في المواصلات.
ترفع يده الهاتف ثانيةً في تثاقل يستغربه؛ لم يعتَد التردُّد من قبل قط، حتَّى لو كان يعلم أنه سيتلقَّى وابلًا من السباب. ثمَّة شيء على غير ما يرام هذه المرة، أم تراه تأثير الحشيش؟!
لكنه يعاند.. يُصِرّ..
يستدعي الرَّقْم مُجدَّدًا من قائمة آخر المكالمات، ثم يضغط زر الاتصال سريعًا، كأنما ليقطع على نفسه خط الرجعة..
لا لَبْس في الأمر هذه المرة حتمًا.. هذا الرَّقْم الذي يطلبه الهاتف، أطول كثيرًا من أي رقم محمول محلي، أطول كثيرًا من أي رقم هاتف رآه في حياته! ليس هذا هو الرَّقْم الذي قام بتسجيله!
الاسم المقترن به أيضًا.. ما هذا؟! الرَّقْم مُقيَّد بعنوان لا يقل طولًا عنه.. "لا تَطلُب هذا الرَّقْم"!
في اللحظة التالية، حدث ما لا يصدِّقه عقل، ولا يخضع لمنطق!
**********
كان شيءٌ من حوله قد تغيَّر!
كلَّا.. بل كان كل شيءٍ من حوله قد تغيَّر!
في البداية، كان هناك ذلك الوميض.. شيء أشبه بوميض الكاميرا.. ساطع جدًا مثله، خاطف جدًا مثله.
وميض أجبره على إغماض عينيه، لأن ضوءه المبهر آلمهما بقوة!
ثم فتحهما (جمال) في حذر، يديرهما فيما حوله، بحثًا عن مَصدَر ذلك الوميض، فاتسعتا عن آخرهما، وأثر الحشيش يكاد يتبخَّر تمامًا من رأسه.
الطريق تحت قدميه.. ليس هذا حتمًا هو الطريق الذي كان يقطعه للتو!
صحيح أن كلا الطريقين –الحالي والسابق- كان صامتًا ساكنًا، كأرض مقابر تمتد لعدة أميال، لكن هذا الطريق الحالي يختلف كثيرًا حتمًا.
ثم.. ثم أنه يذكُر أن الوقتَ لم يكن نهارًا.. لقد كانت الليلة تقترب من نهايتها.
أمَّا هنا، فضوء النهار ينبئه بأن الوقت هو العصر على الأغلب!
رفع عينيه إلى السماء يتأكد، فأدهشه أن لم يبصر فيها شمسًا. هذه سماء صفراء، يمتزج أصفرها بلمسة من احمرار، لا شمس فيها ولا سُحُب، تكاد تضيء من تلقاء نفسها!
والأرض تحت قدميه صخرية أو ترابية.. أو هي مزيج من هذا وذاك.. لا يدري حقًا!
لكنه وجد نفسه يمشي بمحاذاة سور شاهق الارتفاع، مَطلي بطلاء رمادي كالح رديء، امتلأ بشقوق لا يعرف إن كانت في طبقة الطلاء أم في أصل الحجارة نفسه!
لا، ليس سورًا واحدًا.. إنه طريق ضَيِّق نوعًا بين سورين.
بالتفاتة خلفه، يجده قادمًا من بعيد، من بداية لا يدركها البصر. وبالعودة للالتفات إلى الأمام، يجد أحد السورين –ذاك الذي لاحظه أولًا- ينعطف بعد بضعة أمتار، تاركًا خيارًا بطريق جديد، على حين يمتد السور الثاني طويلًا مُجدَّدًا إلى نهاية لا يعلمها!
ومن عند السور المُنعطِف يتناهَى إلى مسامعه صوتٌ، عجز عقله عن إدراك ماهيته، لكنه ترك لديه انطباعًا متوجِّسًا، جعله يتردَّد طويلًا، وهو يتلفَّت مرَّات تكاد تكون بلا حصر، حائرًا بين الأمام والخلف، متسائلًا في صمت وتوتُّر عمَّا يحدث من حوله، وكيف ومتى جاء إلى هنا!
لكن سرعان ما بدا له أنه من المنطقي أن ينعطف مع اتجاه السور الأول؛ الفضول والأمل في أن يجد شيئًا يعرفه، كانا يدفعانه دفعًا لأن يفعل.
تحركت قدماه بخطوات متردِّدة، تستجيبان لقرار اتخذه، لا يثق تمامًا فيه، ولا يدري شيئًا عن مدى صحته.
الصوت –الذي يبدو الآن قادمًا من وراء زاوية السور- يزداد وضوحًا، ويزداد إيذاءً لأعصابه المتوتِّرة، برغم أنه ما زال لم ينجح في تحديد ماهيته!
وعند عطفة السور، دارت به قدماه، فقط لتتسمَّرا بعدها في موضعهما تمامًا، وتشاركا عينيه اللتين اتسعتا انفعالًا أحسَّه كتيار كهربي من الاضطراب يسري في أوصاله!
كان مصدر الصوت أمامه مباشرةً، على بعد مترين أو ثلاثة فقط، متمثِّلًا في مخلوق انحنى فوق الأرض، على كومة لا يتبينها جيدًا، يفعل بها شيئًا لا يفهمه، لكنه السبب في هذا الصوت الذي يسمعه!
ما ذلك الشيء بالضبط؟! أمن الممكن أن.....؟!
كان يتساءل فيما بينه وبين نفسه في حذر، كأنما يخشى أن يكون لأفكاره صوت مسموع، ينبِّه ذاك الشيء إلى مَقدِمه من خلفه.. لكن لرعبه، في هذه اللحظة بالذات، رفع الشيء رأسه وانتبه، كأنه قد أحس به فجأة أو قرأ أفكاره أو سمع تساؤلاته.. وفي حدة أدار وجهه إليه.
وتراجع (جمال) رعبًا، وعيناه تزدادان اتساعًا حد الجحوظ..
ذلك الشيء كان يمتلك وجهًا أبيض شاحبًا، تسري فيه عروق رفيعة داكنة.. لكنه كان وجهًا أصمًّا، بلا أي ملامح على الإطلاق، ولا يبدو فيه إلا فم دائري كبير بلا شفتين، أطلت منه أنياب طويلة رفيعة حادة كالإبَر، لوثتها دماء قانية، سالت لتغرق ذقن المخلوق ورقبته!
اختنق الصوت كُلِّيةً في حَلق (جمال) فلم يفه بحرف واحد، إذ يستدير الشيء أمامه في بطء، ليواجهه بجسده كله.. لكن قدميه تراجعتا غريزيًا، خاصةً حين انتصب المخلوق أمامه واقفًا، بحركة عجيبة، جعلته يبدو كما لو أنه يتمدَّد من وضع منضغط، لينتصب كمارد، يناهز طوله الثلاثة أمتار تقريبًا.
وامتدَّ ذراعا ذلك المخلوق البشع أمامه، الطويلان الرفيعان بطريقة عجيبة أظهرت قدرتهما على الاستطالة، نحو (جمال)، ففزع هذا، ووثب إلى الخلف مفلتًا شهقة، ثم لم يلبث أن استدار على عقبيه، وانطلق يعدو مزمعًا الفرار على غير هدى.
ومن ورائه، وبساقين مثنيتين للأمام عند مفصليّ الركبة كالدينوصورات الرأسية، تحرك ذلك المخلوق بسرعة أبطأ ليتبعه، ومن فمه يخرج ويدخل لسان مشقوق رفيع كألسنة الثعابين!
أي مخلوق كابوسي هذا؟!
وما هذا المكان الذي وَجَد نفسه فيه فجأة؟ متى وصل إليه؟ وكيف؟!
لم يكن أمامه سوى العودة إلى طريقه الأول، ليكمل الركض بمحاذاة السور الثاني، لعدة أمتار، قبل أن يجد على ناحيته هذه المرة سورًا حديديًا لمبنى كئيب متهدِّم، تُغلِق الطريق للدخول إليه بوابة صدئة، مغلقة بجنزير ضخم!
توقف (جمال) عندها، وراح يهزها بعنف، كأن حركته هذه كفيلة بفتحها.. لكنه سرعان ما أدرك مدى عقم محاولاته!
تلفَّت سريعًا ينظر حوله على الاتجاهين، ليجد عن يمينه الطريق ما زال ممتدًا طويلًا جدًا بلا نهاية، وعن اليسار يسد الطريق الذي جاء منه ذلك الكائن المخيف، وقد جاء خلفه يسعى بمشيته العجيبة، مصدرًا أصواتًا زادته رعبًا!
من خلفه، كان السور الأوَّل قد عاد ليمتَدّ موازيًا الأيسر وسور المبنى الصدئ، صانعًا ذات الطريق الضَيِّق بينهما الذي يحدُّ من الخيارات والتفكير والنجاة.
لا حل إلا تسلُّق البوابة. لا أمل في أن يواصل الركض نحو مصير مجهول. هذه البوابة قد تعطِّل ذلك المخلوق المخيف خلفه، فلا يستطيع تجاوزها، والمبنى خلفها، يمنحه احتمالات لا بأس بها، بأن يجد مخبأ فيه.
في توتُّر ازداد حتَّى بلغ مبلغه، قفز (جمال) يتعلَّق بالبوابة، ويبذل جهدًا مضنيًا مستميتًا في تسلُّقها، حتَّى نجح في الوصول إلى قمتها، وانزلق من عليها ساقطًا في عنف فوق الأرض على الجانب الآخر.
وعلى ظهره فوق الأرض، تراجع زاحفًا لمسافة، وهو يشاهد في قلق وخوف الكائن المخيف الذي بلغ البوابة بدوره، وحاول مدَّ ذراعيه من بين قضبانها الصدئة يحاول اصطياده.
وبرغم أن ذراعيه توقفتا وقد أظهرتها عجزاً عند أقصى امتدادهما عن بلوغ موضعه، تراجع (جمال) على ظهره أكثر رافسًا الأرض بقدميه وتراجع..
ثم نهض واقفًا على قدميه، واستدار يولي المخلوق ظهره ليعدو نحو المبنى القديم المتهدِّم..
ولم يلتفت أبدًا، حتَّى مع الصرخة الشنيعة التي أطلقها المخلوق وهو يقبض على البوابة بقبضتيه الصغيرتين نسبيًا، ويرجها رجًّا في عنف كاد أن يقتلعها من مكانها!
فقط في هذه اللحظة، استطاعت أذنا (جمال) أن تُميِّزا صوتًا آخر بدا مألوفًا..
صوتًا يشبه رنين هاتف أرضي، يتردَّد بنغمة متذبذبة من مكان ما..
وفقط في هذه اللحظة أيضًا تذكَّر أنه كان يحمل منذ دقائق هاتفه في يده، وهو لا يجده الآن أبدًا.
بل ولا يذكر أنه كان يحمله لحظة واحدة منذ أن وصل إلى هذا المكان.
الرنين ما زال يتواصل، ليجعله يتساءل أين هذا الهاتف اللعين!
بحركة تلقائية لم يسبقها أي تفكير، اندفع نحو المبنى، مُخمِّناً أن الصوت ربما يأتيه منه، ثم لاحظ متأخرًا، عند المَدخَل المظلم، أن قدميه قد خاضتا في بركة من سائل، لم ينتبه إليه مع ذعره وارتباكه! سائل سميك نوعًا له قوام لزج، جعل الأرض من تحته زلقة، حتَّى أن توقفه المفاجئ، جاء ليخل بتوازنه، فيسقط في فوضَى كبيرة، بأعنف ما يمكن أن يتخيَّل!
**********
كان له أن يتأكَّد أن هذه السقطة جاءت بمثابة نقطة لصالحه..
لقد فتح عينيه بعدها، ليجدهما تحدِّقان إلى السقف على اتساعهما، إذ فوجئ بنفسه نائمًا فوق ظهره على سريره في غرفته!
ما هذا بالضبط؟ أكان ما رآه كابوسًا؟
كيف هاجمه هذا الكابوس؟ ومتى؟ ولماذا يشعر بأن جسده قد سقط في الكابوس ليصطدم بسريره في عالم الواقع، كأنما كان مُعلَّقًا خلاله طوال الوقت بسقف الغرفة؟
كيف وصل إلى غرفته هذه؟ ومتى؟
نهض قائمًا بحركة حادة، يتطلع إلى ما حوله غير مُصدِّق!
إنها غرفته بالفعل.
حين غادر فراشه بمنتهى العصبية، متجهًا نحو مصراعيّ النافذة الخشبيين ليفتحهما، ضرب عينيه ضوء شمس الظهر القوية، وأحسَّ بحرارتها فورًا على جلده، تشارك ضوءها عقابه على فعلته العصبية المفاجئة!
تراجع ثانيةً إلى الداخل، مغمضًا عينيه في تأذٍ، وهو يمدّ ذراعيه ليجذب الدرفتين الخشبيتين ثانيةً ليغلقهما، فتعُود الغرفة إلى ظلام يتخلله شيء من بقايا الضوء، يؤمِّن للرائي رؤية مناسبة لمحتوياتها.
ثم انطلق رنين الهاتف!
وانتفض جسد (جمال) وهو يستدير إليه بحدة..
إنه يذكُر أن ما واجهه يتعلَّق بشكل ما باتصال هاتفي، ويذكُر أنه لم يجد هاتفه في يده بعدها!
ترى مَن الذي يتصل الآن؟!
كان رنين الهاتف مستمرًا، يضيء شاشته، مفصحًا عن مكانه، الذي أدهش (جمال) أن يلاحظ أنه كان بجواره على السرير! منذ متى وهو يضع الهاتف على السرير بجواره أثناء النوم أصلًا؟
مبتلعًا ريقه في توتر، تقدَّم (جمال) مقتربًا من الهاتف في حذر، كأنما يتعامل مع قنبلة توشك على الانفجار.. ألقى نظرة على الشاشة، ليجد المتصل رقمًا غير مُسجَّل!
تلاقي حاجباه، وهو يتردد لحظات، قرَّر بعدها أن يجيب الاتصال..
لكن قراره لم يلغِ حذره، وهو يلتقط الهاتف ويضغط زر الإجابة، مُبعدًا الجهاز عن أذنه بشكل مضحك، مستمعًا في توتر شديد، أحسَّ معه أن أذنه ترتعش، إلى الصوت الصادر منه...
- الآن لديكَ فرصة جيدة للاشتراك بنظام......
برغم الصوت الأنثوي الناعم المُسجَّل المليء بالحماس، أبعد (جمال) الهاتف أكثر في استياء، وهو ينهي الاتصال الدعائي السخيف، ويطوِّح بالهاتف فوق الفراش مُجدَّدًا، مغمغمًا في تبرُّم:
- لم يكُن ينقصني سوى هذا!
واستدار ليتجه إلى دورة مياه مُلحَقة بالغرفة.. شيء لم يكن ليصدِّق ضِيقه ما لم يره بعينيه.. عبارة عن حوض صغير جدًا لغسيل الوجه ومرحاض بادي القِدَم، وحسب. لم يكن من مجال يسع أي شيء إضافي.
فوق الحوض كانت المرآة، التي تطلَّع فيها إلى وجهه، بعد أن رفعه من غسله بخيط المياه الرفيع الذي انساب من فتحه الصنبور.. مشهد الحوض.. المرآة الصغيرة الرديئة.. المرحاض.. كلها أشياء جعلته يتذكر مزيدًا من التفاصيل.
كل شيء بدأ ليلة أمس، بعد سرقته ذلك الرَّقْم الغريب من هاتف الفتَى (ماهر) بدورة المياه، بعدها طلب ذلك الرَّقْم وسمع تحذيرًا.. ثم كان اتصاله الثاني، الذي لا يذكر بعده إلا ذلك الكابوس، ثم استيقاظه ليجد نفسه هنا!
فماذا حدث بالضبط أثناء الاتصال الثاني؟
وكيف وصل هو بعده إلى هنا؟
كم استغرق أصلًا ذلك الاتصال، لينسَى انتقاله إلى هنا سواء حدث قبله أو بعده؟
عندما جالت هذه الأسئلة برأس (جمال)، أغلق الصنبور بحركة عصبية، وعاد بخطوات مسرعة -لا حاجة به إليها بالفعل لضيق الغرفة- لينقض على الهاتف مستدعيًا قائمة آخر المكالمات.
وهنا تفجَّر انفعال (جمال) بداخله كنافورة تُنفِّس عن ضغط مياه مرتفع..
فالقائمة لم تكن تحوي أي أرقام جديدة طلبها بالأمس..
ذلك الرَّقْم الذي يذكُر أنه اتصل به مرتين بالفعل، كان قد اختفى!
**********
في هذه المرة، انفجر (شوقي) ضاحكًا، برغم أن (جمال) أمامه كاد أن يتميَّز غيظًا..
من وسط ضحكاته، كان (شوقي) يلوِّح بيديه قائلًا:
- معذرة، ولكن.. ولكن، كل هذا مضحك بالفعل!
قال (جمال) في غيظ عصبي:
- ولماذا لا أرَى أنا أيضًا شيئًا مضحكًا فيما حكيتُ؟!
أحسَّ (شوقي) بغليان صاحبه، فأرغم نفسه على التهدئة من ضحكه.. وقال بعد أن خفَّت تمامًا نوبة الضحك:
- أنا الذي لا أعرف لماذا تأخذ الأمر بمثل هذه الجدّية؟ لقد كنتَ تدخن الحشيش الرديء يا رجل. الأمر لا يحتاج إلى منتهى الذكاء لتدرك أن بائعيه يدسُّون فيه ويخلطون به موادًا أخرى تزيد تغييب العقل أو ربما تسبِّب الهلوسة. الحشيش نفسه يسببها. قلتُ لكَ إنك يجب أن تبتعد عن كل هذا.. يجب أن تلتفتَ إلى عملك لـ......
لكن (جمال) لم يسمع المزيد..
اختياره لـ(شوقي) لم يكن عشوائيًا؛ لقد بحث عنه بالذات على هذا المقهَى، لأنه أكثر منه رزانة وتعقُّلًا، ولأنه الوحيد الذي يتيح فرصة للاستماع إلى مشاكله بلا سخرية.
وبرغم أن داء السخرية قد انتقل إليه هذه المرة، إلا أنه اقترح بالفعل أمرًا جيدًا.
هلوسة؟! فكرة معقولة جدًا، لم يسبق أن خطرت بباله قط!
تتفق مع كثير مما حدث وكثير مما تعرَّض إليه ورآه بالفعل.. عدم إحساسه بمغادرة (ماهر) دورة المياه.. الرَّقْم الذي كان يطول كثيرًا جدًا حين يطلبه.. تغيُّر الاسم الذي حفظه به.. المكان الرهيب الذي وجد نفسه فجأة فيه.. الفكرة تجعل كل هذا منطقيًا حقًا.
فقط أمر واحد -في نظره- لم تكن توجِد له هذه الفكرة أي منطق.
عند هذا الحد، ودون كلمة واحدة إضافية، نهض (جمال) مغادرًا..
في دهشة رمقه صاحبه، وسأل:
- إلى أين؟! لَمْ ننهِ كلامنا بعد!
كان ينشد بعض الهدوء بعيدًا عن أي تشويش.
**********
كان (جمال) قد قتل سِجِل أسماء هاتفه المحمول بحثًا وتنقيبًا..
لم يبحث خلاله بالأحرف فقط عن اسم "جديد"، لكنه تفقَّد أيضًا جميع الأسماء المُسجَّلة به واحدًا واحدًا..
ولم يكن من بينها رَقْمٌ مُسجَّل باسم "جديد"..
وقطعًا لم يصادفه رَقْم مُسجَّل بـ"لا تطلب هذا الرَّقْم"..
بل إنه -زيادة في الشك- فحص كل الأرقام المقترنة بأسماء على هاتفه، وكل الأرقام بلا اسم، لكنه لم يجد قط رقمًا طويلًا ذلك الطول المبالغ الذي لا يفارق منظره ذاكرته.
وكان هذا بالذات ما يكاد أن يطير عقله شعاعًا؛ مسألة الذاكرة..
الأمر الوحيد الذي لم تكن تَجِد الهلوسة له أي منطق -بالنسبة له- هو تذكُّره جيدًا لكل ما كان بالتفصيل..
لم يكن مُلِّمًا كثيرًا بماهية الهلوسة حقًا أو أنواعها أو كيف تحدث، ولا حتَّى إن كانت -علميًا- يمكن تذكُّر تفاصيل ما يحدث في نوباتها أم لا.
كانت الهلوسة بالنسبة له، تعني شيئًا كهَذَيان الحُمَّى، أشياء يتوهمها المرء في حالة عقلية معينة، ثم لا يذكرها بعد هذا..
وربما إن تذكَّرها، كان ذلك لبعضها وبعضها لا..
لكن أن يذكُر كل ما حدث بكافة التفاصيل؟!
وهو يذكُر كل التفاصيل..
يذكُرها ربما لأنها كانت واقعًا عاشه بالفعل، وليست مجرد هلوسة وأوهامًا، كما يقترح صاحبه..
إذًا، أين يكون قد اختفى الرَّقْم؟! بل أي رقم هو؟
لماذا لم يكن سواه مُسجَّلًا على هاتف ذلك الشاب (ماهر) في قائمة آخر المكالمات؟
إنه يستبعد أيضًا أن تكون سرقته للرقم نفسها وهمًا وهلوسة. لا، إنه يذكُر جيدًا أن....
مهلًا! إنه يذكُره!
يذكُر ذلك الرَّقْم!
لقد حفظه جيدًا قبل أن يُسجِّله على ذاكرة هاتفه، التي اختفَى منها حاليًا..
لكنه يجِد أن ذاكرة عقله هو، ما زالت تحتفظ به!
بيد ترتعش أصابعها انفعالًا، أمسك بهاتفه.. ذهب إلى سجل جهات الاتصال، واختار تسجيل رقم جديد، وبانفعال مُضاعَف، وببطء، بدأ يُدخِل الرَّقْم من ذاكرته، وهو يردده بشفتيه دون صوت...
وفجأة، بينما تُدخِل أصابعه الرَّقْم الثالث أو الرابع، وجد بقية الأرقام تتراص فجأة أمام عينيه المتسعتين في ذهول، فتُعتمَد على ذاكرة الهاتف، الذي أظهر أن الرَّقْم مُسجَّل لديه بالفعل، باسم "جديد"!
وقبل أن يستوعب (جمال) هذه المفاجأة القوية، كان الهاتف -الذي أبعد أصابعه عن شاشته- يُجري اتصالًا من تلقاء نفسه بالرَّقْم، الذي صار طويلًا مجددًا..
طويلًا جدًا!
**********
رَبَّاه! من جديد، هو في هذا المكان الرهيب!
تلك السماء العجيبة فوقه، هذا المبنَى المتهدِّم الكئيب الذي كان يوشِك أن يدخله..
حتَّى السائل اللزج، الذي تسبَّب في انزلاق قدميه، حين خاضتا فيه في المرة السابقة، هو السبب في وضعه الحالي، وقد رقد فوق الأرض، بعد أن سقط فيه بالفعل!
يا إلهي! حتَّى الأحلام لا تسير بنفس الأسلوب أو المَنطِق!
رفع إحدَى يديه، يُدنيها من وجهه، وقد تلوَّثت بشيء من ذلك السائل اللزج، فأرهبه كثيرًا أن يجده أحمر داكنًا!
وكان أول ما خطر بذهنه: أهذه دماء؟ لو كانت كذلك، فدماء أي شيء هي إذًا؟ وما سبب وجودها هنا؟
تردَّدت من خلفه صيحة رهيبة، جعلته يلتفت فورًا، ليجد ذلك المخلوق الرهيب الذي كان يطارده، ما زال واقفًا هناك، تحجزه عن الدخول إليه نفس البوابة الصدئة المغلقة!
إنه يُكمِل ما بدأه إذًا، من النقطة ذاتها! فقط كان الانتقال هذه المرة بلا وميض ساطع.
تحامَل على نفسه لينهض من سقطته، ورصدتْ عيناه داخل ساحة الفناء أعمدة مرتفعة، تشبه أعمدة الهاتف أو الكهرباء؛ فهو لا يعرف كيف يفرق بينهما بالفعل! لكنه ما إن أبصرها، حتَّى عاد يلاحظ سماع ذلك الرنين، الذي يشبه رنين جرس هاتف أرضي يتردَّد.. ينطلق قليلًا، ثم يصمت برهة، ثم يعود لينطلق مُجدَّدًا، في اتصال طويل، لا ينتهي ولا يجيبه أحد!
وعضَّ (جمال) على شفته السفلَى توترًا ويأسًا، ووبَّخ نفسه -بلا صوت مسموع- بعنف:
- يا لكَ من نحس! نحس!
لِمَ لا يبقَى مكانه وحسب؟ لِمَ يخاطر بالمضي والدخول إلى مبنى لا يريحه أبدًا؟
لأنه يفكر في أن يتوارَى طبعًا.. الفناء الذي أصبح فيه -بين المبنى المتهدِّم والبوابة الصدئة- غير مأمون، برغم ظاهره الهادئ. لكنه يدير بصره فيه، فيرى أنه يتطلع إلى ما يشبه قطعة من صحراء قُفر، بهذه الأرض الترابية الممتدة، ذات اللون الأصفر الرمادي الكالح، التي تتناثر فيها بقايا نباتات شديدة الجفاف والذبول، وشظايا لا يجد في نفسه الفضول حتَّى لفحصها.
ثم إنه لا يرَى ساحة الفناء بالكامل؛ ثمَّة أجزاء منها تمتد على الجانبين، ويبدو أنها تدور حول المبنى إلى ما ورائه. فماذا لو فاجأه ظهور شيء مرعب ما، قادم من أي اتجاه منها؟ سيدخل بالتأكيد عندئذٍ إلى المبنى أيضًا، لكنه سيجتذب حتمًا ذلك الشيء خلفه إلى مكان مُغلَق ضَيِّق!
لكن ماذا أيضًا عن بركة الدم -شعور قوي ينبئه أنه دم بالمناسبة- عند مدخل المبنى؟ ليسَتْ علامة مشجِّعة على الإطلاق!
صوت رنين الهاتف.. ما زال الرنين مستمرًا!
هل يأتيه هذا الصوت من داخل المبنى؟ هذا الاحتمال يبدو معقولًا؛ الصوت أقرب لأصوات رنين الهواتف الأرضية، وهذه لن تكون موجودة إلا في المباني حتَّى لو كانت متهدِّمة.
إنه ينتقل إلى هذا المكان على ما يبدو باتصال هاتفي.. اتصال لا يدرك ماهيته.. لكن كل الشواهد التي يذكُرها جيدًا تؤكِّد هذا.
وكالعادة، بمجرد وصوله إلى هنا، يختفي هاتفه المحمول من يده.. لا يجده معه ولا حوله في أي مكان.. فهل تكون نجاته في عثوره إذًا على ذلك الهاتف الذي يرن وإجابته؟
دخول المبنى ليس اختيارًا حُرًا إذًا.. إنه نوع من الاختيار الإجباري.
مال (جمال) يحدِّق إلى داخل المبنى، حيث يكسو الظلام تفاصيل كل شيء، ثم مدَّ قدمًا مُتردِّدة داخلًا إليه بحذر متوتر.
**********
من الداخل، كان المبنى مُضاءً بمشاعل، مثبَّتة على الجدران عاليًا قُرب السقف، الذي ارتفع قرابة الأمتار الخمسة، في حين تناثرت هذه المشاعل على مسافات متباعدة، ساعدت في خفض كفاءة الإضاءة، لتتركها عند أقل مستوَى يسمح بالرؤية دون تدقيق.
وعلى هذه الإضاءة، التي اعتادتها عيناه بعد مدة قصيرة، أدرك (جمال) أن معظم المبنى ممرات متشابكة ومتقاطعة، على أجنابها تناثرت غرف قليلة، مفتوحة ومغلقة بترتيب عشوائي تمامًا.. لكن، لأن صوت رنين الهاتف المستمر بدا محايدًا جدًا بشكل مُحيِّر، كأنما يأتي من لا مكان أو من كل مكان حوله، اضطر (جمال) إلى تفقُّد جميع الغرف..
حتَّى الغرف المغلقة، التي لم تكن تفتح له أبدًا، بذل الجهد لفتحها عنوة.
كان يحاول تخمين طبيعة المكان، من شكل أو محتوَى الغرف المفتوحة، لكن سوء الإضاءة لم يساعده قط..
أحيانًا تبدو له هذه الغرفة أو تلك كمطبخ.. مطبخ كبير لا يليق بشقة سكنية.. مطبخ يناسب أكثر مصنعًا أو مستشفَى مثلًا.. لكنه لم يستطع الجزم بشيء. حتَّى محاولة لمس الأشياء الموجودة بالغرف لم تُحسِّن من الأمر شيئًا، فلا يدري، هل اختلَّت حواسه داخل هذا المكان؟ أم أن السبب هو الارتباك الذي كان يجري في عروقه مجرى الدم؟ أم هي -ببساطة- أشياء لم يسبق له أن تعرَّض لمثلها قط؟!
بعض الغرف لم يكن يتجاسر على دخولها.. كان يتوقف عند مدخلها، فتمنحه شعورًا منذرًا رهيبًا، فيكتفي بمحاولة استكشاف ما فيها من موضعه، بحثًا عن إجابة لسؤاله الأساسي: هل تحتوي على الهاتف المنشود؟
حتَّى كان وصوله إلى تلك الغرفة، التي انتهَى بها أحد الممرات.
تلك الغرفة بالذات كانت تختلف نوعًا..
بطريقة ما -لا يدري ما هي- كانت محتوياتها أكثر وضوحًا، فظهرت أمامه الغرفة واسعة جدًا، ذات عدة أقسام، بما يتطلب منه الدخول إليها، والتجوال فيها، ليرَى ما في تلك الأركان البعيدة، التي أخفتها عنه جدران التقسيم الداخلي.
ما أثار حيرته مبدئيًا، هي المناضد الطويلة جدًا المتلاصقة، بمنتصف الغرفة، وعند جدرانها. ما كل هذه المناضد بلا مقاعد؟! ما الغرض من وجودها؟ ولماذا هي مرتفعة هكذا؟!
اقترابه منها، جعله يقطِّب في حيرة وتوتُّر أكثر.. لم تكن هذه مناضد.. كانت أحواض!
أحواض كلها ممتلئة بسائل ما، منقوع فيه أشياء غامضة، لم يجرؤ أبدًا على محاولة معرفة كينونتها!
ثم ما إن اجتاز الأحواض، حتَّى وجد نفسه وسط أقفاص!
أقفاص تراصَّت متلاصقة أفقيًا بامتداد الجدران نفسها، وعموديًا حتَّى مستوى رأسه تقريبًا!
أقفاص حديدية خالية..
وخالية هذه كانت تعني أنه لم يبصر كائنًا حيًا محبوسًا فيها، لكن فيما عدا هذا، أنبأه تدقيق النظر أن أرضية أكثر الأقفاص تحوي أشياء تنبعث منها رائحة عضوية غير مستحبة.. لذا لم يشأ أن يدقِّق النظر أكثر، ليعرف ماهية تلك الأشياء.
فقط شعوره بالرهبة والتوتر، جعله يتصبب عرقًا بغزارة، حتَّى أنه كان مضطرًا لمسحه بساعده كل بضع دقائق، حتَّى لا يسيل فيلهب عينيه.
أهذه الغرفة عبارة عن معمل تجارب من نوع ما؟!
هل كانت هذه الأقفاص تحتوي على حيوانات، ذُبحت أو قُتِلت، وبقاياها وأشلاؤها هي تلك الأشياء الشنيعة شبه العائمة في الأحواض؟!
لقد رأى معملًا مرة في فيلم أجنبي لا يذكر اسمه، وكان يشبه نوعًا هذه الغرفة.
لا بُدَّ أن يغادرها إذًا بأقصَى سرعة!
لا بُدَّ أيضًا أن يحترس؛ ذلك الذي ارتكب كل القتل والتقطيع المفترض، ما زال يجول بالمكان حتمًا.
ما كان ينبغي له الدخول من الأصل، حين رأى تلك البركة الدامية عند المدخل. ما كان ينبغي أن.....
كان يدور حول نفسه متوترًا، وهو يحاول التراجع، محاذرًا أن يفاجئه مخلوق أو وحش مرعب في ذلك المكان الرهيب، عندما وقعت عيناه عليه أخيرًا...
على الهاتف!
إنه هناك..
في ركن قصيّ بهذه الغرفة نفسها..
صوته ما زال محايدًا تمامًا، يبدو -كالمعتاد- كأنما يتردد في عقله ذاته، لكن مصباحًا صغيرًا فيه كان يتذبذب بوميض أحمر برَّاق مع رنينه المتقطِّع المستمر..
تأمله (جمال) لحظات وهو يحاول ابتلاع ريقه الجاف، ثم لم يلبث أن قرر التقدُّم منه..
سيحاول إجابته بدلًا من مغادرة هذه الغرفة اللعينة..
سيحاول، لأنه قد يكون مخرجه الوحيد من هذا العالم بأكمله، وعودته إلى عالمه.
لكنه لم يكد يقترب من ذلك الرَفّ الذي يحمل الهاتف، حتَّى انتبه إلى ذلك الأنين المكتوم المخيف على مقربة منه!
الأنين الذي يبدو أنه بدأ فقط في لحظة اقترابه نفسها.
التفت (جمال) بمنتهى السرعة والانفعال إلى مصدر الأنين، فملأه الرعب حين رأى مصدره!
كانت هذه أكياس تكوَّمت فوق الأرض.. أكياس سوداء كبيرة تشبه أكياس القمامة، تكفي لاحتواء شخص ناضج مثله تقريبًا، مُحكَمة الغلق، تتحرك حركة محمومة متوترة، كأنما شعرت بوجوده، مُصدِرة هذا الأنين المكتوم الرهيب.
ما هذا بالضبط؟!
أي شيء تحويه هذه الأكياس؟ هل تُستخدَم لخنق مخلوقات حية بداخلها؟
فكَّر لحظة في محاولة فتح هذه الأكياس، لكنه تراجع فورًا.. لن يفعل.. لن يجرؤ حتَّى على الاقتراب منها.. ماذا يدريه بمحتواها؟ قد تكمُن نجاته نفسها في ألَّا يحاول فتحها أبدًا.
وهو مخلوق منحوس.. منحوس! ما يظن أن فيه نجاته وسعادته، قد يكون هو المصدر لهلاكه وتعاسته..
وهل يوحي هذا المكان للحظة واحدة بشيء غير هذا؟
ليركِّز إذًا في إجابة الهاتف.. لماذا يسمَح لأي شيء بتشتيت تركيزه عن إجابته؟
أدار بصره بعيدًا عن الأكياس المغلقة -التي لم تتوقف عن الأنين والحركة- وإن لم يجرؤ على أن يوليها ظهره!
وتقدَّم من الهاتف خطوتين.. خطوتين فحسب، كان مُجبَرًا على التوقف بعدهما، ليستدير مفزوعًا نحو مصدر تلك الزمجرة!
لأول مرة -برغم حجمه الكبير- لاحظ (جمال) أنه على مسافة قريبة نوعًا من الهاتف، ينتصب ذلك القفص الضخم شبه المظلم.
القفص الذي كان يحوي شيئًا حيًا هذه المرة.
ما بدا كوحش هائل أشبه بغوريلا، أو عملاق مجنون ذي شعر أشعث ثائر، وقف ملتصقًا بالسلك الشبكي لقفصه أو زنزانته، يصدر هذه الزمجرة المنذرة..
ومرة أخرى تجمَّد (جمال) في موضعه تمامًا..
مرة أخرى، لم يجرؤ على الإتيان بأي حركة، قد يكون من شأنها أن تستفز ذلك الشيء..
لو كان يعرف سبيلًا يوقِف به عرقه الغزير أو يكتم به تنفُّسه للأبد، لفعل..
لكن للأسف صوت أنفاسه المتسارعة انفعالًا، كان الشيء الوحيد الذي قطع الصمت..
وخطوط العرق استمرت تسيل بطول وجهه كله، لتتقاطر على كتفيه وصدره، ويلهيه هَول الموقف عن محاولة مسحها، حتَّى دخلت في عينيه المفتوحتين على اتساعهما، فأجبرته على غلقهما وهو يتألم ليسِبّ ساخطًا بصوت خافت حانق!
لكن العملاق لم يتحرك..
لم يبدُ قادرًا على اجتياز سياج زنزانته..
ظلَّ على وقفته، التي يُلصِق فيها وجهه بشبكة السياج الأمامية، قابضًا عليها بأصابع كفيه، في سكون مخيف، كأنما مات فجأة على هذا الوضع!
لكن رنين الهاتف لا يزال مستمرًا!
كل هذه الأشياء المرعبة حوله تعطِّله عن إجابته.. تعطِّله عن نجاته..
فليتجاهل إذًا كل شيء، وليجِب رنينه المُلِحّ...
أدار بصره بين الهاتف، الذي يتذبذب ضوؤه الأحمر، كأنما يرجوه أن يجيب، وبين الوحش الساكن بداخل زنزاته، ثم حسم تردُّده..
سيقطع المتر الواحد المتبقي تقريبًا، الذي يفصله عن الهاتف بوثبة واحدة، وينهي كل شيء.. سينهي كل هذا..
فكَّر في هذا، وقرن فكرته بالفعل، فوثب متقدِّمًا، وانتزع سماعة الهاتف، ليضعها على أذنه، وأقوَى موجة من الانفعال تغزو جسده بأكمله..
لكن الغريب أن كل ما ميَّزه كان صوت تكَّة معدنية، وجد بعدها السماعة تَنقِل إليه ذلك الصوت المزعج، الذي تُجبرِك به مصلحة الهاتف على وضع السماعة، إذا رفعتَها طويلًا دون أن تطلب أي رَقْم.
الأغرب هو أن هذه التكَّة لم تبدُ قادمة عبر أسلاك الهاتف!
لقد بدت مسموعة من داخل الغرفة نفسها.
لحظة مرَّت على (جمال) وهو يحدِّق إلى سماعة الهاتف في غباء مُستنكِر غير فاهم، قبل أن يستوعب فجأة موقفه الرهيب بأكمله.
التَّكَّة المعدنية كانت صوت فتح الرتاج لزنزانة العملاق! رفع سمَّاعة الهاتف كان وسيلة لفتحها!
أدرك (جمال) هذا وعيناه تجحظان ذهولًا ورعبًا، إذ يديرهما إلى العملاق الذي دفع باب الزنزانة ليغادرها في هياج!
في حين أخلَّ الفزع من خروجه بتوازن الأوَّل، ليتراجع في عشوائية فيسقط أمامه فوق الأرض!
**********
هذه المرة كانت وثبة (جمال) للنهوض سريعة جدًا..
سريعة لدرجة أنها آلمته!
كانت أنفاسه لاهثة متلاحقة، يشعر بها تكاد تمزِّق جنبات صدره..
وأورثته وثبته هذه دوارًا عنيفًا، أرغمه على إغلاق عينيه، وجسَّدت المعاناة منه تقلُّصات ملامح وجهه الغارق في العرق!
ما كان يطمئنه في كل هذا -إلى حدٍّ ما- هو أنه لمح جدران حجرته، التي أكلتها الرطوبة، وبعض قطع أثاثها المتهالك، وهو يفيق.
لقد عاد إذًا!
بأي منطق يبدأ اتصال هاتفي من هذا العالم، ينتقل به إلى هناك، ثم ينتهي الاتصال هناك بسقوطٍ، فيعيده إلى هنا؟! بأي منطق؟!
كان قد أسنَد جبهته -التي أمالها للأمام- إلى يده، محاولًا إيقاف هذا الشعور بالدوار، الذي أخذ يهدأ تدريجيًا، سامحًا له بأن يُبعِد جبهته عن يده، ويفتح عينيه في حذر ليطالع بهما ما حوله.
لكن جسده انتفض وأجفل، حين انطلق رنين هاتفه المحمول بجواره فجأة..
ومغصَت معدته تعلُن أنها تحتَجّ على كل هذا الكَمّ من التوتر والانفعالات، الذي يجعل عصاراتها تكاد تمزِّقها، وعيناه تحدِّقان برعب إلى رقم المتصل غير المسجَّل باسم!
شعر في هذه اللحظات كأن كل العرق الذي لفظه جسده، قد تجمَّع عليه ندفًا من الثلج، هي التي بثَّت هذه البرودة الفجائية فيه!
لا، لن يجيب هذا الرَّقْم.. ولن يرفض إجابته أيضًا..
سيتركه يواصل رنينه حتَّى ينتهي الاتصال، ثم ينقله إلى القائمة السوداء..
تمامًا كما كانت تفعل كل الإناث اللاتي كان يلاحقهن.
رَبَّاه! هل كُن يشعرن بالشعور نفسه، وهن يتهربن من إجابة الهاتف؟
هل كان يسبِّب لهن رقمه الذي يكرر الاتصال بإلحاح، كل هذا القدر من الانزعاج والرعب؟
هل قضين لحظات أسوأ مما يقضيها هو؟
أجابه عقله: كلَّا، بالتأكيد.
وهل يحدث ذلك الانتقال العجيب بالضرورة، لكل سافل حقير مثله، يحاول ملاحقة الإناث والتحرش بهن عبر الهاتف؟
ما زال عقله يجيب: بالطبع لا.
لماذا يحدث له هو بالذات كل هذا إذًا؟
فيتهكم عليه عقله: أولم تدري بعد؟ لأنك نحس يا عزيزي (جمال)! نحس!
ينتهي الاتصال من الرَّقْم المجهول، فيختطف الهاتف بيد مرتعشة، ويضع الرَّقْم فورًا في القائمة السوداء..
بوسعه أيضًا أن يغلق هذا الهاتف اللعين، يغلقه للأبد!
بل بوسعه أن يتخلص منه تمامًا بأن يرميه أو يحطِّمه.
وهو يقسم أنه لن يحاول طلب ذلك الرَّقْم مجددًا أبدًا.. أبدًا.
لن يحاول حتَّى تذكره.
أمسك بالهاتف في عصبية، وأغلقه تمامًا بالفعل، وتراجع ليستند بمؤخرة رأسه إلى ظهر سريره، الذي أفاق ليجد نفسه ممددًا فوقه كمرة في المرة السابقة.. تنهَّد.. ابتلع ريقه.. بدأت أنفاسه تهدأ.. وبدأ يزايل جسده ذلك البرد الغريب، الذي غرسه الخوف فيه.
دقائق تمر، ثم تتصاعد تلك الطرقات القوية على باب غرفته!
فتح (جمال) عينيه اللتين كانتا مغلقتين، وتحفَّز في جلسته، ونظر في رعب وتوتر إلى الباب الضعيف، الذي ترجه الطرقات القوية الغاضبة رَجًّا.
ما هذا بالضبط؟! هل يمكن أن....؟
قبل أن يتساءل أكثر، كان الصوت يعلو من وراء الباب هاتفًا:
- هل تتظاهر بأنكَ غير موجود؟! أنتَ موجود، وأنا أعلم أنكَ موجود. إن كنتَ تظن أن هذه هي أفضل طريقة للتهرُّب من دفع الإيجار، فأنتَ واهم! إن لكَ ثلاثة شهور هنا، لم أرَ منك خلالها حتَّى جنيهًا واحدًا! هل أخبروك أن......
برغم الهتاف العصبي الغاضب، استرخَى (جمال) في جلسته ثانيةً، وقد اطمأن إلى معرفة شخصية القادم..
لوَّح بيده في لا مبالاة بما يقول، ثم نهض في تثاقل إلى دورة المياه، يغسل رأسه ووجهه بها.
كل هذه المشكلات المعتادة لم تكن تهمه.. حتَّى لو انهار الباب تحت وطأة ضربات صاحب المنزل، لم يكن ذلك ليقلقه.
لكنه جائع حقًا! الآن فقط يذكُر، أنه لم يتناول شيئًا ربما منذ يوم كامل.
غادر دورة المياه، ومد يده يفتش في جيب بنطاله، فأخرج منه بضع جنيهات ورقية، ربما تكفيه بالكاد لشراء رغيفين من الخبز وبعض أقراص الفلافل. إنه لا يعمل منذ فترة، لم يدخُل جيبه قرش جديد واحد منذ أيام.
لينشغل إذًا مؤقتًا عن هذا المستنقع الذي ألقى بنفسه فيه مؤخرًا بأن يحاول أن يجد عملًا.
كان صوت صاحب المنزل وطرقاته قد سكنا، فأدرك (جمال) أن الرجل قد انصرف ساخطًا حانقًا.. وبرغم أن ثمَّة احتمالًا لا بأس به في أن يصادفه على درجات السلم في نزوله الآن، لم يكن ذلك ليثنيه عن النزول.. إنه جائع جدًا بالفعل!
اتجه في ثقة نحو الباب، وفتحه ليَهِمّ بالخروج و....
- (شوقي)؟!
ابتسم صاحبه ابتسامة باهتة قائلًا:
- أمر جيد أنني أدركتُكَ قبل أن تنزل.
قال (جمال):
- ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟! إنه شيء لم تفعله من قبل قط!
مطَّ (شوقي) شفته السفلى قائلًا:
- وجدتُ هاتفكَ مغلقًا، وأردتُ الاطمئنان عليكَ.. لم أعرف سبيلًا آخر إلى هذا!
وضع (جمال) يده على كتفه ليصطحبه إلى خارج الغرفة، وهو يقول:
- هيا بنا إذًا، سأنزل لشراء بعض الطعام.
لكن ذراع (شوقي) أحاطت بكتفه هو، ليدفعه في رفق نحو الداخل، وهو يقول:
- كلَّا.. ما أريدكَ فيه، أمر لن يناسبه الشارع بالتأكيد.. ثم أنني قابلتُ صاحب المنزل أثناء صعودي إلى هنا، وإذا نزلتَ الآن، ستقع بينكما مشاجرة عنيفة، نحن في غنى عنها.
قال (جمال) في استنكار:
- أيعني أهذا ألَّا آكل إذًا؟!
لكنه كان قد استجاب بالفعل، لدفع (شوقي) له بلطف، ليدخله إلى الغرفة، وهذا الأخير يقول بابتسامة مداهنة:
- لن أعطِّلك كثيرًا.
تراجع (جمال) إلى الداخل، وهو يقول ساخطًا:
- تصمِّم أحيانًا على رأيك بسخافة يا (شوقي)، دون أي أسباب معتبرة!
لكن (شوقي) اكتفَى بابتسامته هذه المرة دون أن يجيب، فاتجه (جمال) إلى ركن بالغرفة، عليه برَّاد شاي قديم، أخذه، واتجه به إلى صنبور دورة المياه، قائلًا:
- سأصنع لكَ شايًا معي.. دعنا نستفد بهذا الوقت.
لم ينطق (شوقي) بحرف، إنما دارت عيناه في أرجاء الغرفة كأنما يتأملها، قبل أن تستقرا على الهاتف المغلق، الملقى فوق السرير، فسمعه (جمال) يقول:
- هل قررتَ أن تغلق هاتفك تمامًا، تمهيدًا لأن تتخلص منه؟
علا (جمال) بصوته فوق صوت خيط مياه الصنبور الذي يملأ البرَّاد بصوت مزعج:
- يمكنني أن أستوعب أخيرًا استغناء بعض الناس عنه.
خُيِّل إليه أن صوت صاحبه تشوبه رنة من السخرية، وهو يسأل:
- هل تجد الآن الحل في الهرب إذًا؟!
فأجاب في اقتضاب:
- ربما، مؤقتًا.
- لِمَ كان كل ذلك من البداية؟ لماذا تتبعتَ شخصًا لا تعرفه، دخل إلى دورة المياه لتعبث بهاتفه؟ ولماذا حفظتَ رقمًا، أصررتَ على معاودة الاتصال به، برغم تحذيرك؟!
قال (جمال):
- لَمْ أكن أرى الأمر كذلك.. لم يكن يعدو.....
صمت (جمال) في ضيق ولم يكمل، لكن صاحبه سأله:
- ماذا؟ مجرد خطأ؟
غمغم (جمال) في ضيق:
- اعتبره كذلك!
عاد صوت (شوقي) يقول في برود:
- أتعلم؟ بعض الأخطاء لا يمكن حقًا الاعتذار عنها.
كان البرَّاد قد امتلأ بما يكفي، وغادر (جمال) به دورة المياه إلى موقِد صغير حالته بالية، وضعه فوقه، وهَمَّ بإشعال النار، لكنه انتبه فجأة إلى شيء عجيب، جعله يلتفت إلى صاحبه، وهو يسأل في استغراب وشَكّ:
- لكن، كيف تعرف بكل هذا؟! أنا لَمْ أخبرك بالفعل بكل هذه التفاصيل!
وفي هذه المرة لم يجبه صاحبه، سوى بابتسامة عريضة، اتسعت كثيرًا. اتسعت أكثر من اللازم حرفيًا، بما لا يُمكِن أن يتوافق أبدًا مع التركيب التشريحي لبشر!
وفي الوقت الذي أخذت فيه تتبدَّل ملامح ذلك الواقف أمامه، فتظهر أسنانه الحادة في فكين كاد يصل الشق بينهما اتساعًا إلى الأذنين، وجحظت العينان بارزتين إلى الخارج بشكل رهيب، واللون الأسود يستولى على بياض كرتيهما تمامًا، كانت عينا (جمال) غير المصدِّقتين معلَّقتين بهاتف ذي لون بني مُمَيَّز، لا يمكن أن تنساه ذاكرته، في يد ذلك المخلوق، الذي كان قد فتحه، ليجري منه اتصالًا أخيرًا مخيفًا، بالرَّقْم الوحيد المُسجَّل به.
الرَّقْم الذي لا ينبغي طلبه أبدًا!
**********
في مكتبه، شبَّك وكيل النيابة أصابعه أمام ضابط المباحث، وهو يقول:
- (شوقي) ليس متهمًا بأي شيء. استجوابنا له لم يكن يعني هذا، ولم يُسفِر عن شيء كهذا. لا يوجد أي دليل اتّهام أو إدانة ضده، وما كان يربطه بالمدعو (جمال) مجرد علاقة عادية بين صاحبين. وبرغم أن بعض كلامه لا يبدو منطقيًا، لكنه لا يضعه في دائرة الشك.
سأله ضابط المباحث:
- ماذا تعني بالضبط بأن بعض كلامه لا يبدو منطقيًا؟
أشار وكيل النيابة بيده قائلًا:
- تلك الجزئية التي يزعم فيها أن (جمال) كان يتصل برقم هاتف غريب، ويدَّعي أنه يرى رؤيا عجيبة مخيفة. مؤكَّد أن (جمال) هذا كان يعاني بعض الهلاوس السمعية والبصرية. أنهكتني هذه القضية كثيرًا، لقد طلبتُ تحرِّي الأمر على اعتبار أنه كان يتلقَّى مكالمات تهديدية، واستصدرتُ أمرًا بالاطلاع على سجل المكالمات الصادرة والواردة من وإلى هاتفه مؤخَّرًا من شركة الهاتف التابع لها، فتخيَّل، ماذا وجدتُ؟
التساؤل في عينيّ ضابط المباحث أفصَح في وضوح عن فضوله وترقُّبه للإجابة، التي ابتسم وكيل النيابة وهو يقدِّمها إليه قائلًا:
- ذلك المأفون كان يحاول أن يتصل بنفسه؛ كان يطلب رقمه هو. لم يتلقَّ سوى مكالمات دعائية إعلانية، أو مكالمات عادية لا تثير شبهة الشك من معارفه أو أصحابه في الآونة الأخيرة. تخيَّل أن تصل درجة الهلوسة به، بسبب الحشيش الذي أدمَن عليه، لأن يتصل بنفسه دون أن يدري، بل ويختلِق حكايات فظيعة مرعبة من وحي الخيال. أتريد رأيي؟ هذا هو الانتقام العادل، لمتحرِّش عبر الهاتف مثله. لقد كشف تفريغ سِجِل مكالماته سخافات مشينة بصوته يندي لها الجبين.
هزَّ ضابط المباحث رأسه متفهمًا، لكنه عاد يقول:
- لكن كل ذلك لا يفسِّر اختفاءه على هذا النحو العجيب بلا أثر، خاصةً وأن صاحب المنزل الذي يسكن فيه، يؤكد أنه كان موجودًا حتَّى آخر وقت بغرفته، وأن الرجل قد أحضر مقعدًا جلس به في مدخل المنزل نفسه بأسفل، منتظرًا نزوله في أي وقت، لأنه تمادى في تجاهل دفع الإيجار، كما قال. لمَّا طالت غيبته، دفع ذلك الرجل إلى اقتحام باب الغرفة عنوة، في وجود شهود كانوا يحاولون تهدئته، ليجدها خالية تمامًا في وقت متأخر من الليلة نفسها، وثمة آثار دماء جافة على الأرض. كل هذا يشير إلى وقوع شيء غير طبيعي بالغرفة. لولا وجود الجيران الذين شهدوا بأنهم حضروا واقعة الاقتحام مع صاحب المنزل، واضطراب الرجل البالغ، ومسارعته إلى إبلاغ الشرطة بنفسه، لربما كان هو المتهم الأول بقتله وإخفاء جثته. وسيادتك تعلم أن تقرير المعمل الجنائي طابَق نتيجة تحليل الحمض النووي لأثر الدماء الجافة الموجودة، مع الآثار الموجودة بالغرفة لـ(جمال) نفسه من بقايا شعر أو سواه، فأتت النتيجة إيجابية. تلك الدماء الجافة، التي نجحوا أيضًا في معرفة أنها سالت على أرضية الغرفة في تلك الليلة نفسها، لـ(جمال) نفسه، وليست لأي شيء أو أي شخص آخر.
قال وكيل النيابة، رافعًا سبابته في اعتراض:
- لكنه قَدْرٌ من الدم أقل من أن يتسبَّب في موته. وقد يكون ناتجًا عن إصابته بأي جرح قطعي، دون أن يتسبَّب ذلك في وفاته حتمًا.. وعلى كل حال، فالقضية لم تُغلَق تمامًا بعد.. ولديّ شعور، يكاد أن يكون يقينًا، بأن (جمال) هذا سيظهر عاجلًا أو آجلًا، لأنه على الأرجح قد اختفى بإرادته. أنا لا أرى بالفعل في هذا الأمر شيئًا مريبًا.
غادر ضابط المباحث مكتب وكيل النيابة في ذلك اليوم، وهو غير مقتنع بأن ما حدث مجرد أمر عادي.
لو كان (جمال) قد اختفى بإرادته، فلماذا ترك هاتفه المحمول وراءه إذًا؟ المحمول صار أداة لا يُمكِن أن يستغنى عنها صاحبها في هذا الزمن إلا في أضيق الحدود.
الأغرب، هو أن قائمة آخر مكالمات أُجرِيَت على الهاتف نفسه، كانت تعارض ما قاله وكيل النيابة صراحة. ليس بالقائمة أي مكالمات صادرة من الرَّقْم إلى نفسه، بقية الأرقام التي عثر عليها رجال التحقيق غير المُسجَّلة بأسماء بقائمة المكالمات الصادرة، اتضح أنها كانت في معظمها أرقامًا حاول (جمال) التحرش بأصحابها أو صاحباتها.
كان ضابط المباحث يحمل معه سِجِلًا آخر ورقيًا خاصًا بشركة الهاتف المحمول، لآخر المكالمات الواردة والصادرة من وإلى رقم (جمال)، أراد أن يراجعه بنفسه، لكنه لم يطِق صبرًا حتَّى يصل إلى مكتبه، فما كاد يدخل إلى سيارته، حتَّى فتحه، يلقي عليه نظرة، ليتأكَّد من مسألة اتصال (جمال) بنفسه هذه.
وقطَّب ضابط المباحث جبينه، حين فتح السجل، لتقع عيناه على آخر مكالمة بالذات، حدثت في نفس ليلة اختفاء (جمال). الرَّقْم المُتصِل والرَّقْم المطلوب كانا نفس الشيء.. (جمال) كان يتصل بنفسه إذًا، كما أكَّد وكيل النيابة بالفعل!
كاد ضابط المباحث يغلق السجل ويلقيه على المقعد بجواره، إلا أن شيئًا صغيرًا استرعَى انتباهه، جعله يفتح السجل ثانيةً على اتساعه، ويضع إصبعه على الورق ليحدِّد نفس السطر الذي يبحث فيه بعينيه..
خانة مدة المكالمات!
فمدة المكالمة في اتصال (جمال) من نفسه إلى نفسه، كانت -كما هو مُسجَّل- ساعة تقريبًا في آخر اتصال..
وكان هذا الأمر المستحيل في حد ذاته، يؤكِّد أن (جمال) قد تعرَّض لتجربة مجهولة، خارج نطاق المألوف، ربما كانت هي السبب في اختفائه العجيب.
تجربة غامضة غير مفهومة، ذات صلة وثيقة بأرقام الهاتف..
أو ربما برقم واحد فقط، لا يخضع لقواعد الاتصال المنطقية.
**********
(تمت بحمد الله)
في يونيو/ حزيران 2019