Friday, February 10, 2023

(لستُ قاتلًا) - قصة قصيرة

 


لستُ قاتلًا.. (قصة قصيرة)
من تأليفي: إسلام صابر
2010
===============================================
لطالما تساءلتُ كيف يقتل الآخرون..
كيف يمكن لفرد أن ينهي حياة فرد آخر؟
هل لهؤلاء أشكال معينة؟ علامات معينة؟
هل لأيديهم التي يقتلون بها تضاريس وقوة خاصة؟
هل هم يفقدون أعصابهم؟ أم أنهم رابطو الجأش دوما؟
لطالما تساءلتُ هذه الأسئلة، وما زلتُ أسألها في وقفتي في هذه اللحظة داخل قفص الاتهام في قاعة المحاكمة.
كيف يبدون؟
أنا لستُ قاتلًا ...
لكن هل أبدو الآن كواحد منهم؟
*******
لم أعرف رأي النيابة في قضيتي..
ولم أنتبه حتى لمرافعة المحامي الذي تقدَّم للدفاع..
كانت عيناي معلقتين بها، وسط كل الحضور في المكان..
الفتاة التي جلست بين جمهور الحضور شاحبة الوجه..
نظرتُ إليها و شرد بصري...
مكان غير المكان..
وزمان غير هذا الزمن.
*******
- أنت شخص هادئ.
سمعتُ العبارة هذه، عشرات المرات من مختلف فئات البشر..
الكبار والصغار .. المتعلمون وغير المتعلمين.. الطيبون والأشرار..
أحيانًا كنتُ أنظر لنفسي في المرآة، محاولًا استشفاف تلك العلامات التي يستدلون منها على كوني شخصية هادئة، فلا أترك المرآة بنتيجة واضحة... دائمًا تخمينات.
لكنهم على حق..
أنا بالفعل هادئ الطباع... غير محب للمشاكل.
أذكر في مرة، أننا كنا في الكلية.. كان أحد الزملاء يتشاجر..
نهضتُ لأرى مع مَن يتشاجر، فرأيتُه يبدي دهشة كبيرة ويقول مبتسمًا:-
- إلى أين؟ هل ستتشاجر من أجلي؟! لقد انتهى الموضوع.
وراح يرددها للجميع طوال اليوم تقريبا..
- لقد كان سيتشاجر من أجلي، تصوروا!
ولا أعرف أقالها ساخرًا أم ممتنًا..
ولا يهمني أن أعرف.
*******
فتاة هادئة..
نعم ... منذ رأيتُها ضمن الطلبة المستجدين وهذا رأيي فيها..
قال أحد الزملاء:-
- اليوم هي جديدة وهادئة، وغدًا هي معتادة وصاخبة.
شعرتُ بالضيق..
لم أعتد الحكم على الناس بهذه السرعة..
كما لا أحب أن يشوِّه أحدهم رؤيتي لشخص ما بهذا الشكل!
قال لي صديق:-
- هل أنتَ معجب بها؟
قلتُ بأسلوبي الجاف نوعًا، الذي استعمله بعملية شديدة وقد اشتهرتُ به:
- لقد قلتُ إن الفتاة هادئة، ولم أزد عن هذا.
*******
المحكمة..
إن الشهود يتقدمون للإدلاء بشهاداتهم..
قضاة المحكمة يسألون ويستمعون..
بل الحضور كلهم يفعلون هذا في الواقع.
بين شهادة أحد الشهود وشهادة شاهد آخر، كانت فترة صمت سمعتُ خلالها:
- لا أصدق.. إنه لا يبدو كالقتلة!
التفتُّ بعينيّ فقط باحثًا عمَّن قالها، لكنني وجدتُ عشرات العيون موزعة ما بين متابعتي ومتابعة الشهود.. لستُ وحدي مَن يتساءل إذًا.
عدتُ أتطلع إليها حيث جلستْ في الصف الثاني وسط الحضور.
إلى عينيها اللتين عجزتُ عن تفسير تلك النظرة فيهما..
وعدتُ للشرود من جديد.
*******
- بحق الجحيم ، لقد امتلأتْ الكلية بالأوغاد!
قالها أحد أصدقائي العصبيين خفيفي الظل.. نطقها بالعربية الفصحى، فابتسمتُ و أنا أنظر إليه بتساؤل.
- ألا ترى؟ يبدون كخريجي السجون.. من أين يأتون بهذه الأشكال؟
حانت مني التفاتة نحو بعض الشباب المستجدين الأصغر سنًا منا نحن، وألقيتُ نظرة لا مبالية -ولَّدها أن مظهرهم المقزز في قصات الشعر والملابس لم يعُد مستحدثًا-وقلتُ:
- لا أحب أن تسمع رأيي في هذا الشأن، فسخريتي يرددها الناس طويلًا.
سأل:
- أستدعوهم بالشياطين؟ أم ستنتقي اسمًا مبتكرًا؟
قلتُ في هدوء شديد وأنا أزن كلماتي جيدًا، وعيناي على الشباب الذين يتحدثون ويتمازحون بصخب فوق المعتاد:
- بل سأدعوهم بالتائهين إلى أن يدركوا وضعهم الجديد.
********
- ولا تحتوي كل النباتات بالضرورة على مادة (الكلوروفيل) الخضراء التي تساعدها في عمل البناء الضوئي..
هناك بعض النباتات ذات طبيعة تطفلية..
ومن الأمثلة الشهيرة، نبات (الهالوك) الذي ينمو ملتفًا على سيقان نبات الفول معتمدًا في غذائه على النبات نفسه.. علاقة تطفلية..
الطفيل يكوِّن علاقة مع النبات الأخضر، فيتغذى على غذائه ويسبب له الضرر.
وسط المحاضرة، وبينما يشرح لنا المحاضر، يقول زميلي لي ساخرًا:
- ياله من شرير هذا (الهالوك)، بلونه البني هذا!
ابتسمتُ دون أعلِّق وأنا أسمع المحاضر يتابع:
- وبينما يبدأ النبات في الذبول وعدم الاستفادة بشكل كامل من الغذاء، ينمو طفيل (الهالوك) ويزداد أكثر.
*********
نعم.. كان (مجدي) مثل (الهالوك)..
داكنًا مثله.. شريرًا مثله.
لا أعرف لماذا كنتُ أراه أسود الوجه دائمًا...
ليس أسمر البشرة ولا أسود البشرة...
بل أسود الوجه.
وكأن دماء البشر لا تجري في وجهه، فتترك ملامحه رمادية كالحة، لا خير فيها.
- برغم حقارته الشديدة، لكنه يعرف الكثير من الفتيات!
لا أذكر ممن سمعتُ هذا التعقيب.
كان (مجدي) حقيرًا ومبتذلًا، بل لن أبالغ لو قلتُ إنه كان ذا سمعة سيئة.
وعندما يلتف حول أي فتاة كنتُ أراها كالوردة الذابلة.
*********
لم أخطئ حينما وصفتُها بفتاة هادئة..
فـ(سمر) -كما عرفتُ اسمها- فتاة لا تحب الصخب.
كنتُ ذاهبًا مع بعض الأصدقاء، إلى مكان اعتدنا الجلوس فيه دومًا، حين رأيتُها بداخله..
كانت تقرأ شيئًا ما، أو تراجع مادة ما..
وكنتُ أتحدث..
وكنتُ أعرف أنها تنصت لحديثي.
عندما تحين التفاتة أو استدارة مني نحوها، بقصد أو بدون قصد، أجدها تنظر إليّ.
ثم جاء اليوم الذي تكلمنا فيه لأول مرة.
ربما تسخرون مني لو عرفتم أنني لا أذكر كيف بدأ الكلام..
كل ما أذكره هو أنني كنتُ أحادث أحد الأصدقاء، فشاركتنا هي الحديث..
وشيئًا فشيئًا اعتادت أن يكون مكانها مكاننا، وجلستها هي جلستنا.
**********
- هل تحبها؟
أحد الأصدقاء يسألني، فأجيب:
- لم أحسم الأمر بعد.
- ماذا تعني؟
- لا أعني سوى إجابتي.. أنا محايد تمامًا.. حتى الآن علاقتنا مجرد زمالة، لا أكثر ولا أقل.
***********
- لا أعرف لِمَ اخترت الجلوس معك!
قالتها لي (سمر) ذات مرة..
قالتها متوترة.. مرتبكة..
مترددة.
لم أعرف بِمَ أجبها فآثرت الصمت.
قالت:
- أتعرف؟ كنتُ أظنك شخصًا يصعب الكلام معه، تصعب مشاركته المشكلات، أو الأخذ برأيه، لكن....
قلتُ:
- لكنكِ سمعتِ مؤخرًا شيئًا مختلفًا.
قبل أن تسألني كيف عرفتُ هذا، أضفتُ:
- لن تفيدك فكرة قمت بتكوينها عن جانب من شخصيتي في معرفة باقي الجوانب.
ابتسمتْ ابتسامة خجلى، وصمتت بعض الوقت، فقلتُ:
- أهناك ما ترغبين في مناقشته معي؟
عاودها شيء من ترددها للحظات، ثم قالت:
- نعم.. لقد حدث شيء يضايقني.
- وما هو ذلك الشيء؟
- هناك شخص ما يريد التعرف إليّ.
- ثم؟
قالت في شيء من العصبية:
- وأنا لا أريد هذا.
هززتُ رأسي و قلتُ:
- الأمر بسيط إذًا .. صُدِّيه عن طريقك.
- إنه سخيف.
- الجئي للأمن.
صمتت لحظات، ثم قالت:
- لا أريد المشاكل. لا أريد لأي شخص أصلًا أن يعرف أن تربطني به أي صلة.
قلتُ مفكرًا:
- ألا تخبريني بمن هو هذا الشخص، قد نحدثه أنا والأصدقاء وديًا أن يبتعد عنك؟
قالت وهي تدق كفها بقبضتها في حركة متوترة، وتنظر بعيدًا:
- لا حديث لكم مع أمثاله من الأساس.
ثم حوَّلت عينيها إليّ، وقالت مباشرةً:
- إنه (مجدي).
***********
- لم أجبها سلبًا ولا إيجابًا.
كنتُ أتمشى مع صديق حميم لي، كعادتنا دائمًا عندما نتحدث عن مشكلاتنا..
نفرح معًا، نحزن معًا، نشكو المجتمع والناس معًا، وربما نبكي - بلا دموع - معًا أيضًا.
سألني:
- ماذا قلتَ لها إذًا؟
- لا شيء.
توقف عن المشي، وقال لي:
- لكن كلامها لا يمكن الرد عليه بلا شيء.
توقفتُ بدوري وزفرتُ في حرارة.. قلتُ:
- صدقني.. أنا نفسي لا أعرف ولا أذكر بدقة كيف انتهى ذلك الموقف.. لكنه انتهى.
صمت صديقي بعض الوقت، ثم سألني:
- هل تحبها؟
ابتسمتُ قائلًا بسرعة:
- لا أعتقد هذا..
ربما كنتُ أراها مثل زهرة يانعة متفتحة زاهية الألوان.. أو جوهرة نادرة تبرق بين اللآلئ. لكن....
وعاودتُ المشي من جديد، قائلًا:
- لكن الزهرة تفقد رونقها إذا ما لطَّخها الوحل، والجوهرة تفقد بريقها تحت أغلفة الغبار.
سألني:
- وما مشكلة (سمر) هنا؟ إن الحال لا يعجبها.. لا يعجبها الوحل ولا الغبار.
قلتُ:
- ولماذا يأتي ذكره أصلًا؟
- لا أفهمك!
قلتُ:
- لن تنشأ علاقتها بشخص مثل (مجدي) من عدم.. لن تبدأ من لا شيء.
قال لي:
- أنا أرى الفتاة مهذبة ومحترمة، وهذا ليس رأيي وحدي.
حاولتُ أن أعقِّب على ما قال، لكنه أشار بيده يمنعني متابعًا:
- ولا يوجد مانع لأن تكون هذه هي أولى بوادر (مجدي) السخيفة معها.. لاحظ أنها قالت إنها لا تريد لأحد أن يعرف بالأمر.
قلتُ:
- ومع ذلك فقد أخبرتني... الفتاة المُفترَض أنك تتحدث عنها لن تعطي لأمثال (مجدي) فرصة للتقرب إليها، بل ولن تأخذ رأيي فيها، سيكون الأمر لديها محسومًا بالفعل.
قال:
- لا أدَّعي أنني أفهمها تمامًا، لكن مَن يفهم ما يدور في عقل امرأة؟ ربما كانت لديها أسبابها.
قلتُ:
- خلاصة القول.. هي لا تخصَّني.. لن يفيدني هذا كله أو يضرني.
قال:
- خلاصة القول، أنتَ تظلمها.
**********
لكن بيني و بين نفسي كان السؤال..
لماذا لم أجبها؟
لماذا لم أمنحها ردًا على الإطلاق؟
هل احتقرتُها حقًا لمجرد أنها ذكرتْ أي صلة لها بذلك الوغد (مجدي)؟
أم هل أخشى المواجهة؟
معه؟
توقفتُ عند التساؤل الأخير طويلًا..
طويلًا جدًا.
صحيح أن مستوى (مجدي) دني وضيع، لا يناسب شخصيتي أبدًا..
لكن هل يعني هذا أن أتركها له؟
أتركها؟
ولماذا تكون كلمة أتركها؟
هل أحبها؟
أحبها دون أن أدري؟
أنا شخصية هادئة، تكره المشاكل، وتكره المشاجرات..
فهل أتراجع من أجل هذا أمام (مجدي)؟
شعرتُ بالغضب..
بالغضب من نفسي..
لا..
لستُ جبانًا، ولستُ متخاذلًا..
وكوني هادئ لا يعني سوى الكلمة نفسها..
أنني هادئ..
لا أكثر..
ولا أقل.
*********
أذكر أن ذلك اليوم كان مختلفًا من بدايته..
في نظراتي..
في خطواتي وكلماتي وتصرفاتي..
في تحيتي..
حتى في أنفاسي..
كل هذا كنتُ أشعر به..
وكنتُ أبحث عنه طوال الوقت ببصري..
وأخيرًا رأيتُه..
(الهالوك)...
الطفيل الذي يصيب النبات الأخضر بالذبول والمرض.
(مجدي)..
كان يبدو لي مثل أي طفيل سمعتُ عنه في حياتي..
مثل (الهالوك)..
مثل كل الحشرات التي تقوم حياتها وتغذيتها على امتصاص الدم..
مثل (البلهارسيا)..
لا..
بل هو مثل الوباء..
الوباء سريع الانتشار..
لقد زاد عدد أصدقائه..
زاد أتباعه..
كأي فيروس خبيث يتكاثر ويكثر..
كان يتجه نحو (سمر) ليتحدث إليها..
رأيتُها تتحدث إليه بعصبية بالغة، وهي تحاول أن تمشي..
ولم أنتظر لأرى أكثر..
تركزتْ عيناي على وجهه الذي راح يقترب ويقترب ويقترب..
ثم وقفتُ بينها وبينه، وقلتُ كلمة واحدة..
- ابتعد!
- ماذا تريد؟!
كان يتكلم بدهشة.. فكررتُ في صرامة:
- ابتعد!
- مَن أنت؟ وماذا تريد أصلًا؟ ولماذا تتدخل في كلام الآخرين؟
(سمر) تقول شيئًا لا أسمعه، لكنني أقول:
- انتهى الكلام .. ابتعد!
بدا عليه عدم الفهم و الحيرة، وهو يلتفت إلى أصدقائه - الذين انتبهوا للموقف بالتأكيد- ويقول:
- لا أعرف ما الذي....؟
- ابتعد!
قال لي وهو يحاول دفعي بعيدًا:
- ابتعد أنت.. لا شأن لك بي!
لكنني أمسكتُ ذراعه.. وثنيتُها، لأردها إليه،ودفعتُه بكل قوتي قائلًا:
- قلتُ ابتعد!
وسقط (مجدي)..
سقط ولم ينهض من سقطته أبدًا.
وابتعد بالفعل..
ابتعد عن الدنيا كلها.
*********
لقد مات (مجدي)..
مات بدفعة واحدة مني..
لا أعرف كيف قتلته، لكنها فعلت..
وهذا ليس غريبًا، وليس هو أول مَن يموت بهذه الطريقة، فلا مجال للعجب والتساؤلات الكثيرة..
ها أنتم تعرفون ما حدث..
وها أنا في قفص الاتهام..
وها أنا أعرف أيضًا أنني لا أحب (سمر)..
إنها مجرد زميلة..
لكنني أحب الزهور..
وأكره كل طفيل..
لم أقص عليكم قصتي لتضييع الوقت، حتى ينتهي القاضي من استجواب الشهود، أو حتى ينطق بالحكم..
فالحكم لا يعنيني الآن، أو هو معروف - بالنسبة لي - مسبقًا على الأقل..
هناك فارق بين القاتل مرتكب فعل القتل عن غير عمد، و بين القتّال المجرم الآثم..
والإجابة واضحة أجبتُ بها وأجاب بها كل الناس..
ويرددونها حتى الآن..
أنا لستُ قاتلًا..
وما زلتُ أتساءل كيف يبدو الواحد منهم.
**********
تمت بحمد الله

No comments:

Post a Comment