(نقطة ضعف) - قصة قصيرة
تأليفي: إسلام صابر.
تمت كتابة القصة في عام 2005.
==========================================
ربما كان تشجيع الجماهير لي و تهليلهم في كل مباراة هو ما جعلني بطلاً ..
نعم ..
أنا بطل ...
بطل رياضة قتالية لن أذكرها هنا ..
لكنها رياضة مشهورة لها ساحاتها وجمهورها ..
ليسوا بعدد جمهور الكرة طبعاً ..
لكنهم جمهوري وأنا سعيد بهم ..
نعم جمهوري أنا ..
في كل مرة كنت ألعب مباراة كان يلوح لي أن كل هؤلاء الناس قد جاءوا من أجلي أنا، فأتحمس في اللعب أكثر وأكثر، وأربح المباراة ...
أنا بطل ..
بطل حلم بالقوة ..
وأحبها ..
وامتلكها ..
وأدمنها ..
وأصبح يمقت الضعف بكل صوره ..
إن اللاعب الذي ينزل أمامي، وأشعر بخوفه مني هو لاعب انتهى أمره، ووجب عليّ ألا أرحمه .
لقد اشتهر اسمي في ساحات الملاعب ..
كنت أمتلئ بالنشاط والحيوية ..
لم يكن يعنيني شيء في الدنيا كلها سوى المزيد من التقدم والفوز ..
إلى أن قابلتها ..
لم أكن أتصور قط أن هناك ما قد يضعف المرء منا أمامه ..
وكنت أسخر من زملائي وأصحابي إذا عرفت أن أحدهم يحب ..
بل ما الذي يرونه في الفتيات فيجعلهم يسلمون لهن ، وهم الأقوى و الأفضل؟
ويفقد الواحد منهم احترامه كله لدي إذا علمت أنه يحب ..
أكرر، إلى أن قابلتها ..
اسمها (منى) ..
كان فيها ذلك الشيء الذي شدني نحوها، ولا أعرف ما هو بالضبط ..
ألأنها جميلة؟
لقد قابلت من هن أجمل منها ..
هل هي رقتها؟
لا أعرف ..
أقول بصدق .. أنا لست رومانسياً ..
لست من أولئك الذين يصفون لك المشاعر أو الأحاسيس أو الحب جيداً ..
لقد شدني شيء ما في هذه الفتاة وحسب .. وأنا لن أحقق في ماهية ذلك الشيء كثيراً .
لذلك وجدت نفسي أتقرب إليها وأتعرف عليها وسط دهشة كل من يعرفونني، ووسط عدم جرأتهم على الاعتراض ..
ومن يجرؤ على أن يعترض عليّ؟
ووجدت نفسي أكلمها عن كل شيء ..
عن كل ما أفكر فيه نحوها ..
عن إنني لا أجيد أحاديث الحب تلك ..
وحتى عن إنني لم أكن أحترم كل من يحب ..
ابتسمت وقالت لي :
- ولماذا تسمي الحب ضعفاً؟ الحب أجمل شيء في الكون كله ..
لم لا تقول إنه يحمي الضعف، ويحمي القوة؟
يمنحك الشعور بالأمان وبأن الوجود من حولك أجمل، ويجعل لحياتك قيمة ومعنى وهدفاً .
قلت بغلظتي المعهودة :
- أنا لا أفهم هذا الكلام، ولا أعرفه .
قالت في هدوء :
- أنت لا تحسه ..
لو أحسسته، ستدرك كم عشت طوال عمرك محروماً بسبب مبادئ ومفاهيم خاطئة وضعتها لنفسك .
قلت :
- أنا أعرف شيئاً واحداً أنتِ تعجبينني .
صمتت لحظات وتطلعت إليّ، وكأنما تنتظر مني شيئاً إضافياً ..
نعم .. أنا أعلم ... كانت تريد أن تسمع أنني أحبها بوضوح ودون مواربة أو تلميحات لكنني لم أقلها ..
أنا معجب بها فقط ..
أنا لن أضعف أمام الحب مهما كان ..
وإن كان لابد منه، فلن يكون هناك حب .
ولما وجدتْ إنني لن أضيف جديداً قالت :
- فليكن لن أثقل عليك .. سأدعك تفكر فيما قلنا .
واستمررنا معاً دون أن أتغير، ودون أن تتوقف عن ملاحقتي بنصائحها وكلامهـــا..
"لا تقس على خصمك في المباراة ."
"لا ينبغي أن تلعب وتنتصر في كل الأحوال وبأي ثمن."
"أحب من حولك تشعر بطعم الحياة."
وفي البداية كنت أنفذ ..
أنفذ بلا مناقشة ..
وتكفيني الابتسامة الجميلة على شفتيها في آخر اليوم .
ثم جاء ذلك اليوم في نهاية البطولة، حينما خسرت المباراة لأنني انسحبت أمام خصمي الذي انكسر أحد ضلوعه..
وانتحى بي المدرب جانباً ..
وقال لي في غضب :
- ما هذا الذي فعلته؟
كيف تخسر المباراة أمام لاعب ضعيف لم يحتمل منك ضربة؟
كيف تنسحب؟
أهذا ما علمتك إياه؟
قلت لك اتبع كل الوسائل للنصر ..
قلت لك.......
والكثير من الكلام الغاضب الذي لم أسمع معظمه ..
في النهاية قلت في ضيق :
- اسمع .. لقد فعلت الصواب .. لقد كنت أقتله، و هو لم يجن شيئاً يستحق عليه مني هذا .
تطلع إلي لحظات، ثم قال :
- وأنت ماذا جنيت لتخرج من البطولة؟ من أشار عليك بذلك؟
وأشرت إليها .. إلى (منى) ..
كانت جالسة وسط صفوف المتفرجين .. فقال في غضب :
- آه .. الفتاة ..
انظر .. إنها تضحك ..
إنها تضحك ولا تبالي بك ...
إنها تتابع شخصاً ما غيرك .. أتعرف من هو؟ إنه البطل الجديد.
إنها.....
ومن جديد لم أعد أسمع ..
تعلقت عيناي بها وهي تشير إليّ وتحدث زميلتها وتبتسم ..
وشعرت بالجحيم يستعر في أعماقي وبداخلي ..
اللعنة!! ألف لعنة !!
ثم انصرفت دون أن ألقاها، وكنت قد أزمعت أمراً .
*****
في الصباح قابلت (منى) .. وقلت لها في لهجة باردة :
- أريدك .
لم تسألني حتى فيم أريدها، نهضت إلي، ومشت معي صامتة بجوار شريط القطار البعيد ..
مللتُ الصمت فقلت :
- المباراة .. لقد خسرت البطولة بالأمس .
ابتسمت قائلة :
- أنا أقدر أن ذلك كان من أجلي .
نفس ابتسامتها ونفس رقتها الساحرة، لكنني لن أنخدع بعد اليوم ..
شعرت بالأرض ترتج رجة خفيفة تحت قدمي، فالتقطت نفساً عميقاً وأغلقت عينيّ لأجد أن الصورة أمامي امتلأت بمشهد واحد من الذاكرة القريبة ...
مشهد تلك الفتاة التي تسير بجواري وهي تشير إلي وتبتسم ..
لقد أضعفتني ..
جعلني إعجابي بها لا أساوي شيئاً ..
أصبحت كالنموذج الذي كنت أسخر منه.
إن القطار يقترب ..
وهي تقول شيئاً لا أسمعه ..
فجأة فتحت عيني ودفعتها .. إلى شريط القطار ..
فشهقت وسقطت فوقه وانغلق القضيب على قدمها ..
لقد تحركتُ في اللحظة المناسبة ..
مدت يدها إلي لأعينها على النهوض بسرعة، لكنني أمسكت بذراعها في قسوة مسكة قوية تؤلم ذراعها وتثبتها في مكانها فحسب، و قلت بغلظتي المعهودة :
- لن يستطيع أحد إثبات شيء .. أنت سقطت أسفل القطار لأنك حاولت عبور القضبان في الوقت الخطأ، فانغلق على قدمك القضيب كما يحدث دائماً .
قالت في ذعر :
- لماذا ؟ لماذا تفعل هذا؟ أنا لم أفعل لك شيئاً أستحق عليه عقاباً رهيباً كهذا .
كان القطار قد ظهر بالفعل، فانحنيت نحوها أكثر وأنا لا أزال ممسكاً بذراعها...
لن يفهم أحد المشهد، سيقولون إنني كنت أحاول مساعدتها ..
وفي قسوة قلت :
- هل تعرفين ماذا فعلت لي ؟
لماذا كنت تضحكين وتسخرين مني بالأمس؟ أتظنين أنني لم أفهم؟
تعالى صفير القطار عالياً وكأنما يحاول سائقه أن يساعدني بهذا الصفير لجذبها بعيـداً...
لكنني كنت أعرف ما أفعله ..
صرخت :
- ما هذا الذي تقوله ؟
لم أكن أسخر منك ..
كنت أواسي زميلتي التي خسر صديقها البطولة ..
لقد....
لكن القطار لم يمهلها ..
وفي اللحظة المناسبة أفلتها أنا لأتدحرج بعيداً ..
لقد ماتت (منى). ..
بل تحولت إلى فتات اختلط بالدم ..
وبرغمي كنت أرتجف ..
لقد قتلتها ..
لكن أتراها قد ارتكبت حقاً ما استحقت عليه تلك الميتة البشعة؟
*****
الآن لا يعلم الحقيقة غيري وغيركم ..
لقد قتلت (منى) .. لكن كل الشهود أكدوا أنني كنت أحاول إنقاذها ..
(منى) لم تفعل لي شيئاً سيئاً طوال حياتها ..
كانت تواسي زميلتها بالفعل بي؛ لأن صديقها قد خسر البطولة مثلي، لقد تيقنت من هذا...
هل أقتل مدربي؟
وشعرت بالدوار ..
جاء في ذهني أن أذهب إلى الشرطة .. أن أعترف .
لكنني جبنت من أن أفعل ..
لم يعد الآن من مخلوق يرجعني عن فعل ما أشاء وما أشتهي ...
لكنني أقول بصدق ..
كنت أخسر أمام نفسي كل المباريات والبطولات ..
طيف (منى) كان يطاردني في كل مكان فأحاول أن أتغلب عليه بالعنف الزائد ..
وضميري .. هذا الذي يجعلني لا أنام الليل ..
لقد كنت أحب (منى) ..
أحبها حقاً ..
بلا مواربة ولا مداراة ..
أحبها .. وحبها هو قوتي التي أفتقدها الآن ..
صوت وتشجيع وتهليل الجماهير يملأ عقلي ..
الضربات التي سددتها لخصومي أشعر بها تصدمني في ومضات سريعة خاطفة ..
صورة (منى) وهي تبتسم وصورتها وهي تستنجد بي لا تفارقني ..
أشعر بالرجة الخفيفة تحت قدمي ..
يجب أن أنهي كل هذا...
قلت لكم إنني لا أجيد وصف المشاعر جيداً ..
أتعرفون أين أنا الآن؟
إنني عند شريط القطار .
********
(تمت بحمد الله)
* ملاحظة 1: هذه القصة مستوحاة من شخصية حقيقية، ليست بمثل قسوة البطل أبداً في الواقع، لكنه من أوحى لي بنواة فكرة هذه القصة.
* ملاحظة 2: هذه القصة أحبها بشكل خاص، وأرجو من كل من يقرأها أن يترك لي تعليقاً برأيه - أياً كان - فأنا سعيد دائماً بمعرفة آرائكم وبمشاركتكم المناقشة.

No comments:
Post a Comment