Tuesday, February 14, 2023

(مُلاحَقة قاتلة) - قصة مترجمة



 (مُلاحَقة قاتلة)

قصة رعب وجريمة أجنبية مترجمة للعربية

من ترجمتي الشخصية: إسلام صابر

===============================================

عندما بلغتُ سن السادسة عشرة، حصلتُ على هاتفي النقال الأول.

كان هاتفًا عاديًا يعمل بالأزرار، من ذلك الطراز الذي يومض بنبضات حمراء حين أتلقى رسالة جديدة.

وفي أول مرة تلقيتُ فيها رسالة، لم أعر الأمر الكثير من الاهتمام..

كان من الواضح أن مرسلها ذكرًا، حيث قال:

- أحبك.

رددتُ على رسالته بلا اهتمام، قائلة:

- أعتقد أنك راسلتَ رقمًا بالخطأ.. آسفة. "ضحكة".

لكني وجدتُ منه رسالة ترد على رسالتي بـ:

- لا، أنا أحبكِ أنتِ.

كتبتُ في تهكم:

- حقًا؟ حسنًا.. مَن أنتَ؟

أجابني:

- حبك الحقيقي.

عرضتُ الرسالة على صديقتي (كريستين)، لكنها اكتفتْ بأن ضحكتْ وهزتْ كتفيها.

لم أجب رسالة ذلك الشخص الغامض، ولم ألبث أن نسيتُ الأمر برمته.. حسبتُه شابًا مسكينًا، ربما يكون قد حاول أن يواعد فتاة، فأعطتْه هي رقمًا خطأ للتخلص منه.

**********

عندما بلغتُ السابعة عشرة، حصلتُ على هاتف جديد من نوع "بلاكبيري"، كان أيضًا يتميز بذلك الوميض النابض الأحمر إذا استقبل رسائل جديدة. وفي السن ذاتها أيضًا، حظيتُ برفيقي الأول.. كان اسمه (تود).

ذات يوم، وبينما أنا في الصف بالمدرسة، لاحظتُ أن الوميض الأحمر ينبض بداخل جيبي!

تأكدتُ من أن المعلمة لا تراني، ثم سحبتُ هاتفي، وأمسكتُ به تحت طاولتي وقرأتُ الرسالة..

- أين كنتِ؟

سألتُ:

- مَن أنتَ؟

لكنه أجاب:

- افتقدتُكِ يا صغيرتي. هل تفتقدينني أنتِ أيضًا؟

كتبتُ:

- آسفة، الرقم خطأ!

هكذا تلقيتُ رده سريعًا يقول:

- لا تعبثي معي، أيتها الجميلة!

فأوضحتُ له:

- أنا جادة، الرقم الذي لديك رقم خطأ. لديّ رفيق. وداعًا.

فلم تكن هناك أي ردود.

لكن بعد يومين، تلقيتُ رسالة أخرى تسأل:

- أأنتِ (جينا)؟

لقد عرف اسمي!

لا أدري كيف، لكنه عرفه!

عرضتُ الرسالة على رفيقي. أخذ (تود) الهاتف من يدي، وأجاب برسالة غاضبة:

- اسمع أيها المتظرِّف. هذا هاتف رفيقتي. إنها لا تعرفك ولا تريد أن تعرفك. الرقم لديك رقم خطأ. إن لم تتوقف، سنستعين بالشرطة. كُف عن إزعاجها بالرسائل!

وفي هذه المرة، بدا أن ذلك كان كافيًا.. لم يجب ذلك الغامض قط، وتصورتُ أن تلك كانت نهاية كل شيء.

**********

عندما بلغتُ الثامنة عشرة، حصلتُ على هاتف جديد من طراز "آيفون"، الذي يصدر نغمة مميزة خاطفة إذا تلقى رسالة جديدة.

في هذه السن أيضًا، انفصلتُ عن رفيقي.. وكان من المذهل حقًا، أن تبدأ الرسائل في اليوم التالي لانفصالي عن (تود) مباشرةً:

- لقد افتقدتُك!

محدقة إلى هاتفي في استنكار تساءلتُ: لا يمكن أن يكون ذات الشخص، أليس كذلك؟! ربما هو (تود) نفسه، ويحاول تخويفي.. سألتُ في حذر:

- مَن أنتَ؟

أجاب:

- أنتِ تعرفين مَن أنا. سعيد أنكِ قد تخلصتِ منه!

- ممن؟!

- ذلك المنحط الذي كنتِ تسمينه رفيقًا. لطالما أغضبني أن أراكِ معه!

كتبتُ في توتر:

- اسمع أيها المزعج! توقف عن مراسلتي! أنا لا أعرف مَن تكون ولا إن كان هذا مزاحًا من نوع ما، لكن توقف عنه!

لكنه أجاب:

- بل اسمعي أنتِ أيتها السافلة! أنتِ لي. لو رأيتُكِ مع أي رجل آخر، ستندمين. بالمناسبة هل تتركين ستائرك مفتوحة ليلًا حتى أستطيع مشاهدتك؟

كنتُ جالسة على فراشي وأنا أقرأ رسائله، فملأني الرعب وأنا أتحوَّل فورًا لأنظر عبر نافذتي إلى الخارج!

كنتُ مقيمة بالطابق الأرضي، وأي شخص يقف في الفناء الخلفي كان بوسعه أن يراني في غرفة نومي مباشرةً.

وثبتُ وجذبتُ الستائر لأغلقها، ثم اتصلتُ بصديقتي (كريستين) وأخبرتُها بما حدث.. وكان أن جاءت فورًا، وأقنعتْني بأن نذهب إلى الشرطة.

عندما وصلنا إلى قسم الشرطة، كان الضباط متعاونين جدًا. عرضتُ عليهم هاتفي، واستطاعوا تتبع رقم ذلك الشخص.

وانتهى بهم الأمر بأن وجدوا هاتفًا قديمًا من طراز "بلاكبيري" بحال بالية، في مبنى مهجور غير بعيد عن منزلي، كان ملوثًا بأشياء لزجة مثيرة للاشمئزاز امتلأتْ بها الأرض أيضًا! وكان الهاتف مسجلًا باسم رجل كان قد اختفى قبل بضعة شهور، وما زال لم يُعثَر عليه!

غيرتُ هاتفي ورقمي، ولمدة شهر تقريبًا، سار كل شيء على ما يرام.

حتى كانت تلك الليلة، التي ذهبتُ فيها إلى حفل بمنزل صديق.

**********

كان ثمة كثير من الضيوف في الحفل، راحوا يتسلون بألعاب أساسها الإفراط في شرب الخمر، حتى أن بعضهم كانوا يفقدون الوعي على الأريكة، أو يضطرون للتقيؤ في المرحاض!

في نهاية الليلة، أدركتُ أن حقيبة يدي مفقودة!

جلتُ في كل ركن بالمنزل، فتشتُ عنها في كل مكان، لكني لم أستطع أن أجدها!

شاهدتُ (كريستين) خارجة من المرحاض، فتوسلتُ إليها أن تساعدني في العثور عليها. في النهاية خرجنا من المنزل، لأجد حقيبتي ملقاة فوق العشب الموجود أمام المنزل!

كانت محتوياتها بالكامل متناثرة فوق العشب، فبدأنا نجمع كل شيء.

لحسن الحظ، كانت كل نقودي وبطاقات ائتماني لا تزال موجودة.. الشيء الوحيد الذي كان مفقودًا كان مرطب الشفاه، والذي فعليًا لم يكن بوسعي ألَّا أهتم بشأنه. ظننتُ أن واحدة من الفتيات المخمورات ربما نقَّبتْ في حقيبتي لتستعير مرطب الشفاه، ونثرتْ كل شيء على الأرض دون قصد.

قررتُ أنا و(كريستين) أن نطلب سيارة أجرة، لكن عندما أخرجتُ هاتفي، هالني أن لاحظتُ أنه قد اُستخدم في إرسال مجموعة من الرسائل، آخرها انتهى بكلام مبهم لم أفهم منه حرفًا واحدًا!

وإذ شرعتُ أتفقَّد الرسائل بإمعان، شعرتُ بمعدتي تتقلص في توتر..

كنتُ محقة.. ثمة فتاة مخمورة كانت تعبث بهاتفي. لقد أجابت على رسائل متظاهرة بأنها أنا.. وكانت قد دارت محادثة كاملة.

"- مرحبًا يا جميلتي. لم نتحدث منذ فترة.

- أنتَ محق. كيف الحال، أيها الجذاب؟

- كيف حالكِ؟

- بخير، وأنتَ؟

- أنا أجلس هنا وأفكر فيكِ. افتقدتُكِ. هل افتقدتني أنتِ؟

- "ضحكة". هذا مسلٍ. أين أنتَ؟

- تعرفين أنني لا أستطيع أن أخبرك ذلك. لقد استعنتِ برجال الشرطة بالفعل مرة.

- رجال الشرطة؟

- أتظنين أنني لم أعرف؟ لقد استغرق مني الأمر فترة لأسامحك على ذلك. نفس الفترة تقريبًا التي استغرقتُها لأجد رقمك الجديد. هل افتقدتِني؟

- "ضحكة". بالتأكيد!

- أرى أنكِ لستِ بالبيت الليلة. ماذا تفعلين؟

- هل تستطيع أن تراني؟

- لا يا (جينا). يمكنني أن أرى مكانك بواسطة أداة التتبع بالأقمار الصناعية "جي بي إس". هذا ليس منزلك.

- عند الأصدقاء. نشرب.

- أأنتِ مخمورة؟ انتظري عندك. سآتي وآخذك."

ثم يفصل بين هذه الرسالة والتي تليها تسع دقائق، عادت الفتاة تجيب بعدها:

"- حسنًا، آسفة، كنتُ أمزح. أنا لستُ (جينا). لقد وجدتُ هاتفها.

- هل سرقتِ هاتف (جينا)؟!

- لا. استعرتُه.

- أنا قادم إليكِ حالًا. ماذا فعلتِ بـ(جينا)؟

- لا شيء! لا تأتِ إلى هنا! أنتَ تخيفني.

- سأقتلكِ لو آذيتِها!

أجيبيني. من الأفضل ألَّا تكوني قد آذيتِها!

الويل لكِ، أيتها السافلة. لقد انتهى أمرك!

- أهذا أنتَ في السيارة الحمراء؟ تبدو مفزعًا يا صاح. سأدخل.

أي شيء لعين هذا؟ أكان ذلك أنتَ؟!

حسنًا، توقف. سأترك الهاتف سالسقملةي ورىيةيمسةبننس56يل%^ٌلب"

ثم كانت هناك ثلاثة رسائل أخرى تشبه الرسالة الأخيرة، مجرد حروف ورموز، كما لو أن شخصًا كان يضرب لوحة الأزرار بأصابعه في عشوائية!

وحين وصلتُ إلى نهاية المحادثة، شعرتُ باهتزاز الهاتف في يدي، إذ تلقى رسالة جديدة!

- (جينا). أتمنى أن تكوني قد وجدتِ هاتفك وحقيبة يدك بحال جيدة. تلك السافلة التي حاولتْ سرقتهما معي. لا تقلقي، لن تضايقك ثانيةً. مذاق مرطب شفاهك رائع. لا يمكنني الانتظار لأتذوقه على شفتيك.

سالتْ مني الدموع وأنا أطلب رقم 911 في الحال، محاولة أن أشرح فداحة الموقف.

وصلتْ سيارة دورية بعد حوالي عشر دقائق، ووجدني ضابطاها جالسة على العشب الأمامي أنتحب. كانت (كريستين) تحاول تهدئتي وقد تجمَّع حولي مجموعة من مرتادي الحفل محاولين فهم ما الذي يحدث.

شرطيا الدورية كانا رجلًا وامرأة. الرجل كان أصلع الرأس وأكبر سنًا، أما المرأة فكانت تبدو أكبر مني فقط ببضعة أعوام وبدت قلقة. حاولتُ أن أخبرهما بما حدث، لكني عجزتُ عن التوضيح، فسلمتُهما هاتفي وأنا أردد عبارات مختلطة مثل: "كان يراسلني منذ أن كنتُ في السادسة عشرة"، و"بالفعل استعنتُ برجال الشرطة"، و"انجدوها".

بمجرد أن استوعب الشرطيان ما يحدث، عادا جريًا إلى سيارة الدورية، وأجريا اتصالًا منها..

وبعد ساعات، باستخدام أداة التتبع بالأقمار الصناعية، استطاعوا أن يجدوا الهاتف الآخر.

كان غارقًا في بحيرة!

سحبوا جثة الفتاة المخمورة التي فارقتْ الحياة خارج المياه الباردة كالثلج، ليجدوا الهاتف نصف محشور في حلقها!

عندما تعرَّفتها الشرطة، اتضح أنني كنتُ قد قابلتُها لمرة واحدة فحسب، وكانت بيننا فقط صديقة مشتركة واحدة.

وبرغم أنني لم أكن أعرفها، فقد ذهبتُ إلى جنازتها واستمعتُ إلى كل الأشياء اللطيفة التي قالها عنها أهلها وأصدقاؤها. كثيرون كانوا يحبونها. أحسستُ بشعور فظيع بشأن ما حدث.. بذنب لا يحتمل، برغم أن الجميع أخبروني أن ذلك لم يكن ذنبي، لكني ظللتُ ألوم نفسي.

ذلك الشخص الذي يلاحقني جعلني أشعر أنني معرضة للهجوم طوال الوقت. وكنتُ خائفة من أن يواصل العثور عليّ.

بدا كأن هذا الكابوس لن ينتهي أبدًا.

غيرتُ رقمي مجددًا، ثم غيرتُ المنزل. ذهبتُ عند صديق مقرب مني يدعى (مات)، كانت لديه شقة ذات غرفتين، وكان يبحث عمَّن يشاركه إياها. فكرتُ أن ذلك سيكون الخيار الأكثر أمنًا. ولفترة، بدا أن حياتي ستعود طبيعية مجددًا.

برغم ذلك، بعد بضعة أسابيع، بدأتْ الرسائل مجددًا!

**********

كان ذلك في الساعات الأولى من الصباح، قبل حتى مطلع النهار، عندما أصدر هاتفي أزيزًا. مددتُ يدي لأتناوله، وأقرأ الرسالة بعينين مرهقتين قلقتين.

- وجدتُك!

حدقتُ إلى الشاشة، ولبضع دقائق لم أستطع أن آتي بحركة واحدة.

- ألن تقولي مرحبًا؟

بدأتْ دموع المرارة تنساب على وجنتيّ.

- تعرفين أنني أكره أن أراكِ باكية.

تجمدتُ!

للحظات أخالني لم أتنفس! لم تطرف حتى عيناي!

ثم ببطء أدرتُ رأسي، وحدقتُ برعب إلى نافذة غرفة نومي!

بالخارج، عند مخرج الحريق، كان يقف رجل يرتدي الأسود بالكامل، من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه، وقد زاده سوادًا ضوء الشارع الذي كان يأتي من خلفه ليظلل كل تفصيلة منه. كل ما استطعتُ أن أميزه فيه كان كف يده الضاغطة على النافذة، وأنفاسه الحارة التي كانت تعكر صفو الزجاج بالضباب!

لم أنتظر لأرى ما سيحدث.. وثبتُ من فراشي فزعة، وجريتُ عبر الرواق مندفعة إلى غرفة (مات)، صارخة فيه أن يستدعي الشرطة.. فأفاق منزعجًا من نومه!

- (جينا)، ما الأمر؟!

هكذا سألني، فصحتُ في رعب:

- الرجل الذي أخبرتُك بشأنه! الذي يلاحقني! إنه هنا! يقف خارج نافذتي! استدع الشرطة!

كان يبدو مذهولًا بشكل أعجزه عن الحركة. أمسكتُ هاتفه واتصلتُ بالشرطة بنفسي. وإذ بدأتُ أشرح ما حدث، أخذتْ عيناه تتسعان في انفعال!

أسرع إلى خزانته، وتناول منها مضرب الـ"بيسبول"، واندفع عبر الرواق.

حاولتُ أن أناديه للعودة، لكنه لم يستمع.

سمعتُ خطاه المتعاقبة تتوقف، وتناهى إلى مسامعي أصوات غاضبة مختلطة وصوت شجار!

ثم كان هناك صوت كريه لضربة! صوت بدا معه كأن خشبًا قد ضرب شيئًا بقوة!

ثم صوت مختنق يصيح باسمي.

لم أكن متأكدة صوت مَن!

وسمعتُ أحدهم يئن في ألم، تبع ذلك صوت عالٍ لضربة ثانية!

ثم غرقتْ الشقة كلها في صمت تام مخيف!

- (مات)!

هكذا صحتُ منادية، لكني لم أتلق أي رد!

خرجتُ فزعة من غرفته بأسرع ما استطعتُ، متجهة إلى المطبخ. أمسكتُ بسكين جزار، وجدتُه بدرج المطبخ، وتراجعتُ حتى التصق ظهري بالجدار، محاولة ألَّا أصدر أي صوت.

وعند المدخل، هالني أن ظهر ظلٌ كبير.. ظل رجل يبدو أضخم كثيرًا من (مات)!

صرختُ فيه من موضعي:

- ماذا تريد؟! لقد استدعيتُ الشرطة بالفعل! إنهم في الطريق!

لكن الرجل أطلق ضحكة.. ضحكة لها طابع مهدد مخيف.. ثم بدأ يتقدم نحوي، في الوقت الذي سمعتُه فيه يتمتم باسمي في همس متواصل:

- (جينا).. (جينا).. (جينا)..

لم أتحرك!

لم يكن هناك مكان للفرار!

لقد صار أمامي مباشرةً، ولم يعد يفصل وجهه القبيح عن وجهي سوى بضع بوصات!

كان أكبر كثيرًا مما تصورتُه! لحيته الداكنة كان يشوبها الكثير من الشيب. عيناه غائرتان، تحتهما هالات سوداء كبيرة.. وأسنانه كانت قذرة تغني عن النظر والوصف!

وإذ بدأ يمد يده الكبيرة الغليظة نحو عنقي، تذكرتُ أنني أحمل السكين وراء ظهري.. أطلقتُ صرخة غريزية، وأنا أطوِّح بالسكين بأعنف ما استطعتُ. تراجع إلى الخلف، ونظرة مصدومة على وجهه. كان السكين قد انغرس في صده!

دفعتُه عني في رعب وجريتُ إلى الرواق.

حاول أن يتبعني، لكني حين نظرتُ إلى الخلف من فوق كتفيّ، رأيتُه يسقط على ركبتيه، ثم يسقط على وجهه فوق البساط.

لم أكن متأكدة إن كان حيًا أم أنه قد مات، ولم أرد أن أخاطر.. جريتُ إلى غرفة نومي، وأغلقتُ الباب ورائي!

كان (مات) واقعًا أمام الجدار فاقد الوعي، وكدمة أرجوانية كبيرة قد شوهتْ جبهته!

أسرعتُ إليه واحتضنتُ رأسه بذراعيّ، وأنا أنتظر وصول الشرطة.

لمستُ وجه (مات) برفق، وبكيتُ على صدره.

ثم سمعتُ صفارات الشرطة المميزة تقترب من بعيد، ولم تلبث المصابيح اليدوية أن سطعتْ بالخارج.

أخذ رجال الشرطة يهتفون منادين علينا وهم يدخلون الشقة، وسمعتُهم يتحدثون خارج غرفتي، لكني لم أقوَ على النهوض!

اقتحموا الباب، فنظرتُ إليهم ممتنة.

- ما الذي حدث في الرواق؟!

سألني أحدهم، فأجبتُ مرتجفة في انفعال:

- لقد دخل عبر نافذتي، وهاجم صديقي. ثم جاء من أجلي، لذا.. لذا، فقد طعنتُه!

بدا الشرطي حائرًا وهو يقول:

- ليس هناك في الرواق سوى بقعة كبيرة من الدماء!

عندما أسرعتُ إلى الرواق فلم أجده، بدأتُ الصراخ الهيستيري! أمسكتُ بهاتفي وطوحتُ به إلى الجدار بأعنف ما استطعتُ، فتناثر حطامًا!

أخذ رجال الشرطة يهدئون من روعي، ثم أخذوا (مات) إلى المستشفى، واصطحبوني معهم إلى قسم الشرطة لاستجوابي رسميًا بشأن ما حدث.

وبينما أنا في الاستجواب، جاء استدعاء للضابط الذي يحقق معي أخرجه من الغرفة. عندما عاد، أخبرني أنهم عثروا على جثة رجل على مقربة من منزل (مات)، كان قد مات متأثرًا بجرح الطعنة.

تعرف رجال الشرطة عليه، وعلموا أنه كان لديه سجل إجرامي بتهم الملاحقة والاختطاف والشروع في القتل!

اقتحموا منزله، ووجدوا أنه كانت هناك غرفة كاملة مخصصة لي. رأيتُ بعينيّ تلك الصور التي التقطها مُصوِّر الشرطة للمكان، والتي كانت تظهر جدرانًا مغطاة بالكامل من السقف إلى الأرض بصوري منذ أن كنتُ في سن الثالثة العشرة تقريبًا، في الوقت الذي غطَّتْ فيه أشياء لزجة لعينة أكثر الصور!

وجدوا وسائد وبطانية على الأرض، وظننتُ أنني تعرفتُ البطانية.. كانت تلك التي فقدتُها يومًا أثناء طفولتي!

وجد رجال الشرطة أيضًا بقايا جثة فتاة في مُجمِّده.. فتاة كانت قد اختفتْ تقريبًا قبل عشرين عامًا! كانت هي أولى ضحاياه.

وعرفتُ أنه كان في الثامنة والأربعين حين قتلتُه! لم يكن لديه عائلة ولا أحباب.. كان قد عاش وحيدًا معظم حياته!

**********

خرج (مات) من المستشفى منذ أسبوع. كان مصابًا بشرخ في الجمجمة وقد انكسرتْ ثلاثة من ضلوعه. انتقلنا إلى شقة جديدة، مزودة بنظام إنذار حديث ونوافذ مدعمة. صرنا أيضًا رسميًا حبيبين.

لكني ما زلتُ لا أمتلك هاتفًا، ولا أعرف إن كنتُ سأمتلك واحدًا يومًا.

وعندما أسمع صوت نغمة الرسائل المميزة لهاتف (مات)، لا أستطيع منع تلك القشعريرة التي تزحف عبر عمودي الفقري!

**********

(تمت بحمد الله)

No comments:

Post a Comment