Thursday, February 16, 2023

(أغلى الهدايا) - قصة مترجمة



 القصة الرومانسية، وهي العمل الجميل لـ"أوه هنري"..

The Gift of The Magi
التي أترجمها إلى "أغلى الهدايا"..
والتي نُشرَت لأول مرة عام 1905..
================================================
دولار وسبعة وثمانون سنتًا. كان هذا هو كل شيء. وستون سنتًا منها كانت بِنسات. بِنسات تَراكَم ادّخارها واحدًا واحدًا في كل مرَّة بمفاوضة البقَّال وبائع الخضر والجزَّار حتى يحمَرَّ الخدُّ من اتهامهم الصامت بالبخل الشديد في مثل هذه التعاملات عن قرب. عدَّتْ (ديللا) المبلغ ثلاثًا. دولار وسبعة وثمانين سنتًا. وغدًا سيكون رأس السنة!
بدا واضحًا أنه ما من شيءٍ قد تبقَّى عمله سوى التقلُّب على الأريكة الصغيرة المتهالكة والنحيب.. وهذا ما فعلَتْه (ديللا).. ليثير لديها الانعكاس المعنوي بأن الحياة خُلِقَتْ للنشيج والعويل والنحيب، فحتَّى الابتسامات فيها يغلب عليها النحيب.
وفي حين بدأت ربَّة البيت تهدأ تدريجيًا، أخذت تلقي نظرة على بيتها. شقة مؤثَّثة، إيجارها ثمانية دولارات في الأسبوع. لم تكن بالية تمامًا، لكن حالها كان مناسبًا بالتأكيد لاستقبال فرقة من المتسوِّلين.
في الرواق بأسفل، كان هناك صندوق خطابات، لم يكن ليسَع خطابًا واحدًا، وزر كهربائي أصغر من أن يلمسه إصبع إنسان. أيضًا كانت للشقة بطاقة تحمل اسم "السيد (جيمس ديلينغهام يانغ)."
كان اسم (ديلينغهام) واضحًا أثناء فترة سابقة من الازدهار، حين كان راتب صاحب البطاقة ثلاثين دولارًا في الأسبوع. الآن، عندما تقلَّص الدخل إلى عشرين دولارًا، بدت حروف (ديلينغهام) غائمة، كأنما تفكر بجدية في الارتباط بشخص آخر ميسور الحال وغير مُدَّعٍ، يبدأ اسمه بحرف (د). لكن وقتما كان يأتي السيد (جيمس ديلينغهام يانغ) إلى البيت ويصل إلى شقته بأعلى كانت تناديه زوجته -وهي مَن قدَّمناها باسم (ديللا)- بـ(جيم) وتعانقه، وهو ما يعني أن كل شيء على ما يرام.
انتهت (ديللا) من بكائها وأولَتْ عنايتها إلى خَدَّيها تُزيِّنهما بالمساحيق. وقفت عند النافذة ونظرت إلى الخارج متكدِّرة.. إلى قِطٍ كئيب يسير على سور كئيب في فناء كئيب. غدًا سيكون رأس السنة، وهي تملك فقط دولارًا وسبعة وثمانين سنتًا تشتري بها هدية لـ(جيم). كانت تدَّخر كل بِنس استطاعت ادّخاره طوال شهور، لتنتهي إلى هذه النتيجة. عشرون دولارًا في الأسبوع لا تكفي. النفقات كانت أكبر مما حسبَتْ.. إنها دائمًا كذلك. فقط دولار وسبعة وثمانون سنتًا لشراء هدية لـ(جيم).. حبيبها (جيم). كم ساعة سعيدة قضتها تُخطِّط من أجل شيء رائع له! شيء أنيق ونادر وأصيل - شيء يستحق شرف أن يمتلكه (جيم).
كانت هناك مرآة حائط بين نوافذ الغرفة. لَكُم أن تتخيلوا مرآة حائط في شقة إيجارها ثمانية دولارات. رفيعة ضيِّقة جدًا وقد يشاهِد شخص نحيف جدًا انعكاسه فيها إذا تحرك بتتابع سريع ليرَى صورته مُجزَّأة كشرائح بالطول، حتى يكوِّن فكرة صائبة بما يكفي عن مظهره. وكَوْن (ديللا) نحيفة، كانت قد احترفَتْ هذا الفن.
فجأة التفتَتْ من النافذة ووقفت أمام المرآة. كانت عيناها تلمعان بتألُّق، لكن وجهها شَحُب خلال عشرين ثانية. بسرعة حلَّت شعرها وتركته يسقط مُتحرِّرًا بطوله الكامل.
الآن، كان هناك شيئان للزوجين (جيمس ديلينغهام يانغ)، كلاهما يفخر بهما بشدة. الأول، ساعة (جيم) الذهبية التي كانت فيما سبق لأبيه ولجده. والشيء الآخر، شعر (ديللا).
لو كانت مَلِكة تعيش في شقة عبر المنوَر، لتركت (ديللا) شعرها يومًا يتدلَّى من النافذة ليجف بعد غسيله، فقط ليبخس من قَدْر جواهرها وهداياها. لو كان حارس المبنى مَلِكًا، يملك كنوزًا مكدَّسة في القبو، لأخرج (جيم) ساعته في كل مرة يمر فيها به، فقط ليراه يمسك بلحيته ويجذبها حسدًا.
هكذا كان شعر (ديللا) الجميل الآن ينسدل عليها، يتموَّج ويلمع كشلال من مياه بُنِّية.. يصل إلى أسفل ركبتيها ويجعل من نفسه رداءً لها.
ثم قامت برفعه ثانيةً بتوتُّر وسرعة. تردَّدت لحظة ووقفت ساكنة، في حين تساقطت دمعة أو اثنتان على البساط الأحمر الرَّث.
على عجل ارتدت سترتها البُنية القديمة، وعلى عجل ارتدت قبعتها البُنية. بتنورتها الواسعة والتألُّق الذي ما زال يلمع في عينيها، خرجت لتصفق الباب وتهبط الدَّرَج إلى الشارع.
حيث توقفت، كانت لافتة تقول: "السيدة (صوفروني). منتجات شَعر من جميع الأنواع." في الحال أسرعَتْ (ديللا)، استجمعَتْ نفسها، وتنفَّسَتْ بعُمق. كانت السيدة (صوفروني) امرأة ضخمة شديدة البياض، باردة، تبدو قاسية.
سألت (ديللا):
- أتشترين شعري؟
قالت السيدة:
- أنا أشتري الشعر، اخلعي قبعتكِ ودعينا نلقِ نظرة على مظهره.
وانسدل الشلال البني يتماوج.
قالت السيدة، وهي ترفع كتلته بيد خبيرة:
- عشرون دولارًا.
فقالت (ديللا):
- أعطيني إياها بسرعة.
وطارت مدة الساعتين التاليتين على أجنحة وردية.. كانت تنقِّب المتاجر بحثًا عن هدية (جيم).
ثم وجدَتْها أخيرًا. لقد صُنعَتْ بالتأكيد من أجل (جيم) ولا أحد غيره. لم يكن يماثلها شيء في أي متجر آخر، وكانت قد قَلَبَتْ المتاجر بحثًا وتنقيبًا رأسًا على عقب. كانت سلسلة ساعة بلاتينية ذات تصميم بسيط غير مبالغ، وكانت تعلن عن قيمتها كما ينبغي لها، بخامتها وحدها ودون أية زخرفات مبهرجة - كما يليق بكل الأشياء ذات القيمة. وكانت أيضًا جديرة بالساعة. بمجرد أن رأتها، أدركت أنها لابد أن تكون لـ(جيم). كانت تلائم طابعه. الهدوء وعِظَم الشأن - الوصف ينطبق على كليهما.
أخذوا منها واحد وعشرين دولارًا ثمنًا لها، وأسرعت هي إلى البيت بالسبعة وثمانين سنتًا.
بهذه السلسلة لساعته، من الممكن أن ينشغل (جيم) بتفقُّد الوقت بها بصحبة أي شخص. فبقدر ما كانت الساعة عظيمة، كان أحيانًا يختلس النظر إليها سرًا، بسبب السير الجلدي القديم الذي كان يستخدمه لها بدلًا من السلسلة.
حين وصلَتْ (ديللا) إلى البيت، بدأ انتشاؤها يقِلُّ نوعًا أمام التعقُّل والمنطق. أخرجَتْ أدوات كَيّ شعرها وأوقدَتْ النار وراحت تعمل على إصلاح ما أتلفَتْه تضحية الحب. وهي المهمة المروِّعة دائمًا، الهائلة.
خلال أربعين دقيقة كان رأسها قد امتلأ بالتموُّجات الصغيرة الأفقية المتقاربة، التي جعلَتْ مظهرها يشبه كثيرًا تلميذة كسولًا. نظرت إلى انعكاسها في المرآة الطويلة، بنظرة مفعمة بالحرص والتدقيق، وقالت لنفسها:
- لو لم يقتلني (جيم) قبل أن يلقي عليّ نظرة مُدقِّقة، فسيقول إنني أبدو كراقصة رخيصة من "كوني آيلاند". لكن ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ ماذا كان بوسعي أن أفعل بدولار وسبعة وثمانين سنتًا؟
في السابعة كانت القهوة قد صُنعَت والمقلاة ساخنة على الموقِد جاهزة لطهي اللحم.
لم يكن (جيم) يتأخر أبدًا. أطبقَتْ (ديللا) قبضتها على السلسلة، وجلسَتْ عند ركن المنضدة القريب من الباب، موضِع دخوله الدائم. ثم سمعَتْ خطوته الأولى البعيدة على الدَّرَج، وتحوَّل لونها إلى الشحوب للحظة. كانت معتادة على تلاوة صلاة صغيرة صامتة تتعلَّق بأبسط الأشياء اليومية، لكنها همسَت الآن:
- أرجوكَ يا إلهي، اجعله يرَى أنني ما زلتُ جميلة!
انفتح الباب ودخل (جيم) وأغلقه. كان يبدو نحيلًا وجادًّا للغاية. المسكين، كان في الثانية والعشرين فحسب من عمره ويحمل عِبء أسرة! كان يحتاج إلى معطف جديد ولم يكن يمتلك حتى ثمن قُفَّازين جديدَيْن.
خطا (جيم) داخلًا من الباب، وتوقف بجمود ككلب صيد يترصد بسكون لاصطياد سِمَّان. كانت عيناه مثبتتين على (ديللا)، وثمة تعبير فيهما لم تستطع فهمه، فأخافها الأمر. لم يكن غضبًا ولا دهشة ولا استنكارًا ولا فزعًا، ولا أي مشاعر كانت قد استعدَّتْ لها. فقط كان ينظر إليها بثبات بذلك التعبير الغريب على وجهه.
نهضَتْ (ديللا) عن المنضدة واتجهت إليه.. بكت قائلة:
- (جيم) يا حبيبي، لا تنظر إليّ بهذه الطريقة. لقد قصصتُ شعري وبعتُه لأنني لم أستطع الاحتفال برأس السنة بسعادة دون أن أعطيكَ هدية. شعري سينمو مجددًا، وأنتَ لن تمانع في هذا، أليس كذلك؟ لقد كنتُ مضطرة إلى هذا فحسب. شعري ينمو بسرعة كبيرة. قُل "رأس سنة سعيد!" يا (جيم)، ودعنا نسعَد. أنتَ لا تعرف أي هدية جميلة ورائعة قد أحضرتُها لكَ.
- قصصتِ شعركِ؟
هكذا سألها (جيم) وكلماته تبدو صعبة مُجهَدة، كما لو أنه لم يتوصَّل بعد إلى تلك الحقيقة الجَلِيَّة، حتى بعد أشق مجهود ذهني.
قالت (ديللا):
- قصصتُه وبعتُه. ألا يعجبكَ مظهري هكذا بأية حال؟ أنا هي أنا بدون شعري، أليس كذلك؟
بفضول دار (جيم) بنظره في الحجرة، وقال بنبرة أقرب إلى البلاهة:
- تقولين إنكِ قصصتِ شعركِ؟
قالت (ديللا):
- لستَ بحاجة إلى أن تبحث عنه، لقد بِيع. أنا أُخبركَ أنه بِيع وانتهى أيضًا. إنها عَشِيَّة رأس السنة يا فتى. كُن لطيفًا معي، فقد كان ذلك من أجلكَ. ربما كانت خصلات شعري قابلة للحساب والعَدَّ...
وواصلت بعذوبة بالغة مفاجئة:
- لكن لا أحد يمكنه أبدًا حساب أو تقدير مقدار حبي لكَ. أعليّ أن أبدأ طهي اللحم يا (جيم)؟
بدا أن (جيم) قد أفاق من ذهوله سريعًا، وضَمَّ إليه زوجته (ديللا). من جيب معطفه سحب علبةً وألقَى بها فوق المنضدة. قال:
- لا تسيئي يا فهمي يا (ديل). لا أظن أن هناك أي قَصَّ أو حلاقة أو مستحضَر لغسل الشعر، بوسعه أن يقلِّل من حبي لحبيبتي. لكن لو فتحتِ تلك العلبة، قد تفهمين لماذا جعلتِني مأخوذًا في البداية.
بأصابعها البيضاء البارعة قطعَتْ الخيط وفضَّت الغلاف. ثم أطلقَتْ بنشوة صيحة سعادة، تبعتها رَنَّة حسرة!
ذلك أن ما بالعلبة كان مشابك للشَعْر - مجموعة من المشابك لجانبيّ ومؤخرة الشَعر، هامَتْ بها (ديللا) طويلًا أمام واجهة (برودواي) الزجاجية. مشابك جميلة، من صَدَف السلحفاة الخالص، ذات حواف مُطعَّمة بلآلئ، لا تليق إلا بارتدائها في الشعر الجميل الذي ذهب. كانت تعرف أنها مشابك غالية الثمن، وكان قلبها قد تاق إليها وتمنَّاها فحسب، دون أدنَى أمل في امتلاكها. والآن قد صارت ملكها، في الوقت الذي ذهبَتْ فيه الخصلات التي كانت لتزدان بالحُلي المرجوَّة!
لكنها ضمَّتها إلى صدرها، واستطاعت أن ترفع عينيها إلى أعلى أخيرًا، لتقول بابتسامة وبعينين دامعتين:
- شعري ينمو سريعًا جدًا يا (جيم)!
ثم وثبَتْ كقطة صغيرة ملسوعة، وصاحت:
- أه، نعم!
لم يكن (جيم) قد رأى هديته الجميلة بعد. حملتها إليه بحماس على يدها المفتوحة، وبدا المعدن الجامد النفيس كأنه يتوهَّج بانعكاس روحها الفَرِحة المتوقِّدة.
- أليسَتْ ممتازة يا (جيم)؟ لقد جُبتُ المدينة كلها لأجدها. سيكون عليكَ أن تتفقَّد الوقت مئة مرة في اليوم الآن. أعطني ساعتكَ.. أريد أن أرى كيف تبدو عليها.
بدلًا من أن يطيعها، ألقَى (جيم) بجسده على الأريكة، ووضع يديه خلف رأسه وابتسم.. قال:
- (ديل).. دعينا نُنَحِّي هديتينا لرأس السنة بعيدًا ونبقيهما لفترة.. إنهما أجمل من أن نستعملهما حاليًا. لقد بعتُ الساعة لأحصل على النقود اللازمة لشراء مشابك شعركِ. والآن أعتقد أن عليكِ بدء طهي اللحم.
(تمت بحمد الله)

No comments:

Post a Comment