Wednesday, February 22, 2023

(فتاة قصر غوته) - قصة مترجمة



 فَتَاة قَصر "غوته"

قِصَّة: مولي رودجرز
ترجمتي وإعدادي: إسلام صابر
أَعبُر أَسفَل كلمات لافتةِ "عِزبة آل (غوته)"، وينتابني شعورٌ غريبٌ بعدم الراحة.
المَدخَل ذو القنطرة مُحاطٌ بتماثيل بلا وجوه، مَحَتْ ملامحها الرياح والأمطار. الطريق عن يميني يؤدِّي إلى أسفل التَّل، أمام صفوفٍ من الأضرِحة المُنتظِمة، وُصولًا إلى الدِّير القديم. أمامي ينتصب قصرُ عِزبة "غوته".
أُغلِق الدِّير منذ عقود مَضَتْ، وهُجِر قصر "غوته" لِمَا يزيد عن قرنٍ من الزمان. المَبنَى الوحيد بالعِزبة الذي لا يزال مشغولًا ويَبعُد مسافة نصف ميلٍ، هو مَدرَسة الفتيات الكاثوليكية، التي تحوَّلت الآن إلى دار مُسِنَّات للراهبات المريضات والطاعنات في السن.
يرفع الهواءُ الشَّعر عن مؤخرة عنقي، فأجذب طرفيّ سترتي عليّ لأحكمها حولي أكثر، وأسير بلا تردُّد.
لا يمكنني فهم مَصدَر شعوري بعدم الراحة، المَقابِر لا تُمثِّل لي خوفًا؛ وقد قضيتُ وقتًا طويلًا بداخل مبانٍ مُحطَّمة. ربما هي الأشجار التي تنمو بطول الطريق، التي أُحضِرَتْ من أماكن بعيدة وأُعِيدَت زراعتها بأمر آل "غوته"، ربما يمكنني الشعور بأنها لا تنتمي إلى المكان هنا.
يقترب قصر "غوته" ليحتلَّ نصيبًا أكبر من المَشهَد إذ أتقدَّم. إنه مصنوعٌ من ملاط جِبسٍ أصفر، لا يبدو مناسبًا لِما حوله، في الضوء الشاحب لشمس خريف "بِنسلڤانيا". بدا باليًا، مع الطلاء المُقشَّر والحوَافّ الغائرة، لكن الغريب أن كل النوافذ كانت سليمة.
أنحني لأتفقَّد مَلِكَة فَرَاشات ضخمة، تشرب من نباتٍ شائك وَجَد سبيلًا لينبت عَبر شَقٍّ في المَمشَى الصخري. كان قد فات الأوان من الموسِم لأن أرَى واحدةً، وجعلني الجَمالُ غير المُتوقَّع أبتسم.
أسترجِعُ صوتَ جِدَّتي من الذاكرة، تقول:
- الفَرَاشات جميلة، لكن العُثّ/ فَرَاش الليل مُميَّز. إنه يحمِل الأرواح إلَى القَمَر.
أسألها:
- لكن ماذا يحدث حين يُحبَس فَرَاشُ الليل بداخِل مكانٍ ما؟
فتُجيب:
- تُحبَس الرُّوح إذًا أيضًا. ما سَبَب كَوْن منازل كثيرة مسكونة بالأرواح في رأيكِ؟
ترفرف الحشرة عاليًا وتنحرف أمام نافذةٍ بالطابق الثاني. ثَمَّة وَجهٌ شاحِب يَطُلُّ منها، يراقبني من غرفةٍ أعلمُ أنها خالية. أرفَع رأسي إلى الفتاة في تحيةٍ، حين تلتَفُّ أصابع عَظمِيَّة حول رسغي وتجعلني أستدير بسرعة!
تجذِب راهِبةٌ عجوزٌ وجهي لتقرِّبه إلى وجهها. أسنان قليلة مُنفرِدة تبرز من لَثتَيْها كفُتاتِ شواهد قبور في أرض مقابر مَنسِيَّة، وأنفاسها حارَّة كريهة. تبصق قائلةً:
- لقد ابتلع الأخوات اللاتي كُنَّ يَمشينَ بلا أقدام.
عيناها تقتحمان عينيّ، كما لو أن بوسعها أن تحفُر أفكارها في رأسي بقوة تحدِّيقها. عيناها المِحمرَّتان مليئتان بالدموع.
- لا تدعيني أَمُت هنا!
تبكي إذ تظهر امرأتان إلى جوارها لتنتزعا بصعوبة أصابعها القابضة على ذراعي، وهي تواصل:
- ليس هنا، ليس هنا!
تقود إحدى المُمرِّضات الراهِبةَ العجوز بعيدًا، مُربِّتةً على ظهرها ومُهَمهِمة بنبرة مُطمئِنة. تَبقَى الأُخرَى الأَطوَل قامة، وتولِي رسغي عِنايتها.
- آسفة جدًا بشأن هذا. هل آذتكِ؟
أُؤكِّد لها:
- أنا على ما يرام. أعتذر لو أنني فعلتُ شيئًا أزعجها.
تقول وهي تُحرِّك رسغي في الاتجاهين:
- لا، لا. الأخت "أغنيس".. ليسَتْ على ما يرام؛ كانت تقوم بإحدَى محاولات هربها الأسبوعية.
- لو أن لي أسأل، مَن هُنَّ الأخوات اللاتي يمشينَ بلا أقدام؟
تهزُّ كتفيها بلا مبالاة:
- كلامها خَبَل، لا يُعوَّل عليه.
حين شعرَتْ بالرضا بأن ذراعي لا تزال تعمل على ما يرام، تراجعَتْ خطوةً، وقالت:
- المفترض أن أُخبركِ ألَّا تقتربي بشدة من القصر. يمكنكِ التجوال في العِزبة، إنها جميلة في هذا الوقت من العام. فقط القصر ليس مأمونًا بِنيويًا.
أهزٌّ رأسي في طاعة، ناظرة إلى الشَقِّ المُمتَد من قاعدة القصر ليعلو بارتفاع الطوابق الثلاثة.
تقول المُمرِّضة مُرتجِفة:
- هذا المكان يملأني بالتوتُّر الشديد.
وينخفض صوتها ليصبح همسًا وهي تضيف:
- المفترض أن راهبتَيْن قد حاولتا إحراقه سابقًا، قبل أن يُغلَق الدِّير.
أُلاحِظ أن الجدار الشرقي ينحني إلى الخارج قليلًا. يومًا ما سينشَقَّ مفتوحًا كجثة تفسَّخَتْ!
تَصفِق المُمرِّضة يديها معًا، فيقفز الصوتُ مُترِدِّدًا من جدران القصر:
- حسنًا، الأفضل أن أعودَ قبل أن أقع في المزيد من المتاعب.
وتعبِس مُضِيفة:
- الأختُ "أغنيس" عجوزٌ، لكن رَبَّاه، إنها سريعة!
أُلوِّحُ لها بيدي وهي تسير مُجِدَّة نحو مبنى الدِّير القديم، وأَنظرُ مُجدَّدًا إلى نافذة الطابق الثاني. إنها خالية.
أُفكِّر في نفسي، لا يُهِم؛ سأجدها حين أعود الليلة.
**********
لن تكون هذه هي مواجهتي الأُولَى مع الأشباح، ولن تكون المِئَة. مع هذا، فذلك الشعور الغريب المُنذِر بالسوء لا يزال متشبِّثًا بي إذ أُسرِع مَارَّة بالأشجار، وقد بَدَتْ خيالاتُها مُخيفةً في ضوء القَمَر.
لازَمني ذلك الشعور إذ أُكمِل الجزء المُمِل من التناجي مع الأرواح؛ جزء الاقتحام والدخول.
نجحتُ في فتح قِفل أبواب واجهة قصر "غوته"، المصنوعة من خشب السِنديان الثقيل بعَتَلةٍ، وانسللتُ إلًى الداخل، لأجد نفسي الآن واقفةً في الرَّدهة المركزية. الجدران الصفراء المخضِرَّة تبدو مرئية بالكاد في ضوء القَمَر. تذكِّرني بسماء الصيف قبل بدء إعصار.
القَمَر مُتألِّق الليلة، ولطالما كانت رؤيتي الليلة ممتازة.
أنسل متوغِّلة في القصر. لقد أُفرِغ من محتوياته؛ كل الأثاث واللوحات أُزيلَتْ منذ أعوام. الغبار يتراكم فوق الأَسطُح كطبقة من الثلج. الهواء فيه مُجهِد وجافّ.
- مرحبًا!
أقولها برفق للفتاة الصغيرة الواقفة أَعلَى الدَّرَج الكبير.
- أنا هنا لإطلاق سراحكِ.
كنتُ لأُقدِّر أنها في حوالي السابعة من العمر. ترتدي فستانًا أبيض، مُزدانًا بأشرطة الدانتيل، وشعرها الأشقر من النوع البغيض الذي يتدلَّى مُتعرِّجًا ويرفض أن يلتزم بموجة مُنتظِمة.
الغرفة مُظلِمة، لكن الفتاة نفسها ذات توهُّج نابض، وهي مُتجهِّمة تلوي شفتيها استياءً.
أهمس ثانيةً:
- مرحبًا. أنا هنا لتحريركِ، لو أنكِ تستطيعين أخذي إلى حيث جناحيكِ.
أقولها وأنا أتخيَّر مَوطِئ قَدَميّ عبر ألواح الأرضية التي تُصدِر الصرير.
أضع قدمي اليُمنَى على الأرض، وينشَقُّ لوح الأرضية تحتها. تسقط قدمي عبر الفجوة وأندفع إلى الأمام. أسقط أرضًا بعنف وأتأوَّه بخشونة إذ يندفع الهواء خارجًا مني!
يمكنني الشعور بالحوافّ ذات الشظايا تخدش كاحلي. أنا واثقة أنها أدمَتْه. مُجفِلة، أخرج قدمي من الفجوة بحذر.
أشعل ضوء كشَّافي اليدوي فتختفي الفتاة. أطفئه فأجدها تنتظر عند قِمَّة الدَّرَج.
أتنهَّد وأواصل طريقي نحو الدَّرّج في الظلام. أنخس كل لوح أرضي بقوة بحذائي قبل أن أنقل وزني فوقه.
أبلغ الدرابزين، فينير القَمَر طريقي بشكل أفضل. أقول:
- أريني موضِع جناحيكِ.
تستدير الفتاة وتندفع عبر رواقٍ، فأتبعها.
تبلغ الطابق الثالث إلى اليَسَار وتَعبُر من خلاله. ألحق بها وأمسك بمقبض الباب وأديره.
يُفتَح الباب باطِّراد إلى الداخل وأدخل. باستثناء مدفأة مَبنِيَّة من القرميد، أَجِدُ الغرفة خالية.
أتقدَّم ببطء من النافذة. يمكنني رؤية البقعة التي كنتُ أقف فيها ظهر اليوم.
أشعل ضوء كشَّافي وأتوغَّل في الطابق، لكني لا أستطيع أن أجد فَرَاشة ليل ميتة.
أبحث في الأركان وتحت حواشي ورق الحائط المتدلِّي، لكن دون أن أجد شيئًا!
فخذي يُطقطِق وكاحلي ينبض ألمًا. أجلس مستندةً إلى جدار، وأُدلِّك ركبتيّ، ثم أطفئ كشَّافي اليدوي. أُنادي:
- أين جناحاكِ؟
تظهر الفتاة بجوار المدفأة وتشير بإصبعها. فأقُطِّب وأخبرها:
- لقد بحثتُ عند المدفأة بالفعل!
تضرب الأرض بساق هزيلة، دون أن تُحدِث صوتًا أو تُثير غبارًا. تشير بإصبعها في إصرار، فأقوم إلى المدفأة وأتتبَّع اتجاه إشارتها إلى قالب من القرميد الأسود. تألُّقها الخارق للطبيعة يُسهِّل عليّ أن أرَى أن قالب القرميد ليس مُلتحِمًا بمكانه، وإنما يبرز للخارج. أشعر بخشونة القرميد على أناملي إذ أقلقله بالحركة إلى الأمام وإلى الخلف حتَّى يتزحزح بما يكفي لإخراجه من موضعه.
وراء قالب القرميد أَجِدُ صندوقًا صغيرًا مربوطًا بخيطٍ مجدول!
أنظر إلى الفتاة. إنها تقف على الجانب الآخر من الغرفة الآن، قُرب النافذة، ورأسها مائل جانبًا. آخذ الصندوق من التجويف وأنفخ عنه طبقة الغبار السميك، ثم أَحِلُّ الخيط المجدول. أفتح سُقَّاطة الصندوق وأرفع الغطاء.
بالداخل أجد فَرَاشة ليل سوداء ميتة. لا يمكنني تخيُّل كيف حُبسَتْ فيه!
أُفكِّر:
- لم تُحبَس، بل دُفِنَتْ.
أُفكِّر في تلك السماء الصفراء المخضرَّة.
أرفع الصندوق نحو الفتاة، وأسأل:
- أهذان هما جناحاكِ؟
تومئ برأسها. عيناها مُتَّسعِتان وحزينتان.
يمكنني بسهولة تخيُّلها تجلس مهمومة أمام مرآةٍ ووالدتها تجذب شعرها الذابل محاولةً أن تجعل مظهره جيدًا. أتساءَل مَن كانت وماذا أصابها! إنها مجرد طفلة، حُبسَتْ وحيدة في هذا القصر غير المريح لقرن من الزمان. لقد ساعدتُ كثيرين مثلها.
أُقدِّم لها ابتسامة:
- سنأخذهما للخارج ونطلق سراحكِ.
تجيب ابتسامتي ابتسامتُها الوَجِلة.
أوشِكُ على إغلاق الصندوق حين أرَى جناحيّ فراشة الليل يخفقان!
تكاد الحركة أن تكون غير ملحوظة، ربما مجرد خدعة من خِدَع الضوء أو ربما هي أنفاسي التي عبثَتْ بالجثة عديمة الوزن.
ثم ترتجف مجددًا.
لقد أزلتُ غبارًا عن الصندوق. لم يتحرَّك من موضِعه لسنوات طويلة جدًا، وبرغم هذا فقد تحرَّكَتْ فَرَاشة الليل!
تنزلق عيناي جانبًا. يمكنني أن أرى الفتاة عند زاوية بصري.
وجهها. ثمَّة شيء بشأن وجهها. شيء... مثير للرجفة، كأنما جلدها يوشِك أن يتساقط!
أنقل بصري مُحدِّقة إليها، فأراها طبيعية، طبيعية كما يليق بشبح برغم كل شيء.
- أهذان جناحاكِ؟
نبرة صوتي مُطمئِنة، ودود.
تومئ برأسها مؤكِّدة وتندفع إلى الرواق، مُلوِّحة إليّ بأن أتبعها.
أتردَّد، ثم أُسلِّط ضوء كشَّافي اليدوي على الصندوق.
فَرَاشة الليل عجيبة وممسوخة: إن لها ثماني أرجل برغم أنها يجب أن تمتلك سِتّ أرجل فقط؛ جناحاها صلبان ولامعان، وجسدها طويل جدًا. هل هي حتَّى فَرَاشة ليل؟!
- لقد ابتلع الأخوات اللاتي كُنَّ يمشين بلا أقدام.
كان ذلك ما قالته الأخت "أغنيس". الأخوات اللاتي كُنَّ يمشين بلا أقدام...
لقد تجوُّلتُ ماشِيةً على قدميّ ظهر اليوم، تجوَّلتُ عبر الدِّير الخالي ومَساكِن الخَدَم، ووقفتُ خارج مَدرَسة الفتيات السابقة ودار المُسِنَّات الحالية. كنتُ أتوقَّع من مكانٍ بهذا القِدَم، من مكانٍ له مثل هذا التاريخ الطويل، أن يكتَظَّ بالأرواح المُحتجَزة فيه. وبرغم ذلك، فقد وجدتُ واحِدةً فقط!
أشعر بقبضة باردة تعتصر قلبي. أطفئ كشَّافي اليدوي. الفتاة تقف وسط الغرفة.
بهدوء أسأل:
- هل أكلتِهم؟ الآخرين؟
ترتجف، تُقاوِم. يتذبذب وجهها.
ثم تجمُد. يرتخي ذراعاها ويختفي تألُّقها. يَلقِي الظلام ببقعة دائرية على وجهها، فتنتشر، لتحلَّ مَحَلّ عينيها وفمها. ملامحها قُدَّتْ من سائلٍ أسود، من الدُّخان، من العَدَم!
عيناها تتَّسعان بجروح الظلام، وفمها يصبح مَعِدَةً سوداء. كأنما تنزف ظلالًا.
ولا تزال ترتدي ذلك الفستان الأبيض المزخرف!
تتجه نحوي!
قلبي يتواثَب ضارِبًا ضلوعي. إنها شَبَح، قد تخترق بابًا، لكنها لم تستطع أن تُحرِّك قالِب القرميد. لا يمكنها أن تلمسني. لا يمكنها أن تفعل!
تجذب يدي. أشعر بأصابعها.
إنها لحمية، يمكنها اللمس!
أشعر بسائل دافئ على ساقيّ، فأدرك أنني قد بلَّلتُ نفسي!
أبتسم للمخلوقة متظاهرة برباط الجأش، وأغلق الصندوق:
- حسنًا، دعينا نطلق سراحكِ.
أتَّخذُ طريقي للعودة إلى الرواق وأبدأ هبوط الدَّرَج، ببطء، ببطء.
أمسك بإحدي يديّ الصندوق الذي يحمل روحها، وباليد الأخرى كشَّافي اليدوي.
لا يمكنني إطلاق سراحها. يجب ألَّا أُشير إلى أنني أريد الهرب، لن أشير إلى هذا.
النار. لقد حاولَتْ الراهبات إحراق القصر.
إنها بجواري، وأمامي، وخلفي. تظهَر وتختفي، تحاصرني، تُقيِّمني. تتسرَّب الدموع من عينيّ، ولا يمكنني الجزم إن كان قلبي يتسارَع خفقانه أم أنه قد توقَّف تمامًا!
ربما، ربما يمكنني إحراق القصر. ربما يمكنني الخروج، الخروج بدون فَرَاشة الليل، التي يمكنني سماعها ترفرف داخل الصندوق، تريد أن تخرج.
أبتسم في وجه الظلام بلُطف. أعرف أنها تراقبني برغم أنها بلا عينين!
- دعينا نطلق سراحكِ.
أغلق سُقَّاطة الصندوق، أعيد ربط الخيط المجدول.
سأُراقِب ألسنة اللهب وهي تلتهم القصر، وتلتهم الشيء بداخله، وسأضحك على ضوء وَهَج النيران الجائعة.
الفتاة أمامي. إنها تلمس يدي.
أشحُب.
إنها تعرف. تعرف. تعرف!
أعميها بالكشَّاف الضوئي، أُسلِّط الضوء على وجهها الغريب، فلا يحدث شيء. لا تختفي!
لم يُخِفها الضوء! لقد كانت تعبث بي من قبل، كما يفعل القِط بالفأر!
أصرخ وألقي بالصندوق إلى أعماق القَصر المُظلِم. أندفع مُسرِعة نحو الفجوة بين الأبواب، نحو حزمة ضوء القَمَر التي تتسلَّل عبرها، نحو الأمان والـ....!
تطأ قدمي حافة الفجوة في الأرض. أجد ألَّا شيء تحت كاحلي. أستعيد توازني بالكاد...
أصابع صغيرة رقيقة تلتَفُّ حول كاحلي وتجذبه.
أسمع نَهْشًا. أنكمش على نفسي. أحاول جذب ساقي من الفجوة، لكني أكاد أفقد الوعي من فرط الألم.
أشعر بأن ساقي تبتَلّ، تبتَلّ بشدة، وأعرف أنني أنزِف بغزارة. أصرخ طلبًا للنجدة، أصرخ بأعلَى ما يمكنني، لكن قِطَع الخشب المُسنَّنة تحتجز ساقي. تحتجزني!
كشَّافي اليدوي قد تدحرَج بعيدًا عن متناول يدي. ضوء المصباح فيه يتذبذب ويضطرب. يضطرب. ثم ينطفئ!
في الظلام، أسمع خَفَقان أجنحة تضرب صندوقًا!
إنها تقف فوقي الآن، تفرك ذراعيها استعدادًا، وتنتظر. إنها تأكل فقط الموتَى.
لن تحمل فَرَاشة ليل روحي إلى القَمَر.
********** (تمت بحمد الله)

No comments:

Post a Comment